عروة الأحمد -The Revenant مخيّب للآمال!

لم أكن أتوقّع بعد الحملة الإعلامية الضخمة التي رافقت إنطلاق فيلم “العائد” بأنني سأشاهد فيلماً كالذي شاهدته أمس!

أطلقت شركة الإنتاج “فوكس سينشري” حملة إعلامية ضخمة رافقت هذا الفيلم، واتّسمت بالتركيز على ثلاثة نقاط: 1- عدم استخدام أي معدّات إضاءة في الفيلم (الإضاءة طبيعيّة) -2- مشهد مصارعة البطل والدبّ الذي تكتّم مخرج العمل “أليخاندرو إيناريتو” الحائز على أوسكار 2015 عن كيفيّة صناعته -3- أداء “ليوناردو ديكابريو” المبهر في هذا الفيلم والذي سيؤهله للظفر بأوسكار أفضل ممثل لهذا العام.

في الحقيقة لقد خيّب “إيناريتو” أملي في هذا الفيلم، وخرجت هائماً على وجهي، مصدوماً بسبب الكثير من النّقاط أهمّها:

1- لم تكن هناك رسالة واضحة للفيلم الذي تجاوزت مدّته “ساعتين ونصف” من الزمن، وشعرتُ بأني أمام “ميكس” ما بين فيلم أبوكاليبتو (مشاهد المطاردة والحرب ما بين القبائل التي تتحدث لغةً غير مفهومة)، وبريف هَرت (بطل يتزوج من السكان الأصليين ويقتلون زوجته)، وغلادييتر (قتل ابن البطل الذي يقرر الانتقام جرّاء هذا الفعل).

وبرأيي لم تعد تستحق فكرة كهذه أن يُعاد طرحها في العام 2016 فقد تمّ استهلاكها كثيراً، كما أنها لا تتحمّل كل تلك الإطالة!

ثمّ إن المعالجة الدرامية لكلّ من النصّ والشخصيات بدت ناقصةً في الكثير من أجزاء العمل الذي ارتكز في معظم مشاهده على تفرّد “ديكابريو” في الأداء أمام الشاشة، وهنا لبّ المشكلة برأيي.. لأن ظهور “توم هاردي” كان يبدّد الممل الذي خلقه “ليو” أحياناً برتابة أدائه.

2- حين نتكلم عن فيلم يطرح في ساعتين ونصف تفاصيل الصمود لبطله، فعلينا إذاً أن ندقّق في كل تفصيلٍ لصموده (جسدياً ونفسياً) إذ أنه لا يوجد ما يمكن التركيز عليه غير ذلك!

وهنا لا أفهم كيف صمد شارب “ليو” طوال هذه المدة دون أن يغطي شفته العلوية! لا أفهم كيف ظلّ شاربه محلوقاً طوال الفيلم بشكلٍ أنيق!

3- لا أفهم أيضاً كيف للريح التي كانت تحرّك جرساً ثقيل الحجم أن تعجز عن تحريك شعر “ليو” الذي كان يقف تحت الجرس!

4- كان صمود “ليو” ونجاته المتكررة من الموت غير مقنعة في العمل! أعتقد بأن الحبكة الدرامية كانت قاصرة في هذا الصدد كثيراً!

5- استخدم المخرج لغةً غير مفهومة توحي بأنها لغة القبيلة، ولكن لا يمكن أن يكون مرادف الدب في لغة القبيلة: كانوخا.. ليصبح في آخر الفيلم مرادف دب أشيب = كريزلي، وخاصة في لغة قبيلة بدائية تفتقر إلى تنوّع المصطلحات، ولذلك كان يتوجّب على المتحدث بها أن يضيف مرادف أشيب لكلمة “كانوخا” التي تعني الدبّ!

6- كيف تناول الشاب الصغير -الذي قدّمه العمل لنا كشخصٍ ضعيف- لحم الخنزير من فوق النار بكلّ هذه السهولة دون أن يحرق شفاهه؟ ثمّ كيف لشابٍ تعوّد على أكل اللحم الساخن جداً في البريّة أن تكون شفاهه ذات لونٍ زهريّ فاتح دون أن تكويها النار، أو تشقّقها الحرارة التي لا تتجاوز الصفر.. لم يكن “الميك أب” مقنعاً بتاتاً!

7- كيف للجسد أن يتعفّن في درجة حرارة (-10، -20) كما قال الرجل الهمجيّ للبطل “ليو” قبيل آخر الفيلم؟

ألا يعلم الكاتب بأن هذه الدرجة تكفي لتخزين اللحوم شهوراً طويلة دون أن يصيبها العفن؟!

8- مشهد الدبّ الذي ضجّت الدنيا به، لم تكن ردود فعل “ليو” فيه مقنعةً بما يتناسب مع ضربات الدبّ في كثيرٍ من الأحيان، وهذا لا يلغي جماليّة المشهد من حيث أداء الدبّ.. لكن الصراخ والنّحيب لا يكفي ليقتنع المُشاهد المتمرّس بأنك تصارع دبّاً أدماك وشلّ حركتك!

9- كان “ليو” يصرخ في معظم مشاهد الفيلم تعبيراً عن الألم، والعذاب.. لكني لم أسمع غير صوت صراخه.. لم أرَ عيناه تصرخان إلا حين قتل “توم هاردي” ابنه، لم أرَ جسده يتألم، وهنا أستطيع القول بأن مشكلة “ليو” التي حالت دوماً دون حصوله على “الأوسكار” هي في كونه ممثلاً جيداً.. لا مُبهراً.
فقد غلَّفَ الابتذال الكثير من المشاهد التي لم تكن لغة جسده فيها مقنعة، وخاصّة زحفه فوق الثلج بعد إصابته.

10- كان النصّ في الكثير من الأحيان مباشراً في أفكاره يفتقر إلى الحلول الدراميّة.

11- لا يهمّني كمُشاهدٍ للفيلم أنك لم تستخدم معدّات إضاءة فيه، فالمعدات خلقها الإنسان لتخدم العمل على أكمل وجه.. صورة الفيلم كانت مميزة بالفعل لكن ما قيمة ذلك أمام ضعف النصّ ورتابة أداء “ليو” اللذان أضاعا برأيي كلّ جهد المخرج في صناعة فيلم “مبهر”؟

12- لقد تفوّق “توم هاردي” في أدائه على “ليوناردو ديكابريو” وكان برأيي نقطة قوّة العمل على صعيد الأداء التمثيليّ، ويستحقّ “توم” على أدائه هذا أن يكون بجدارة ضمن قائمة أفضل ممثلين مساعدين لعام 2016.

13- بطل هذا العمل هو “الكاميرا مان” الحائز على الأوسكار في فيلم “بيرد مان” 2015.

14- الموسيقى التصويرية كانت أقلّ من المتوقّع، وخلت من الإبهار السمعيّ رغم وجود الكثير من المشاهد التي تحتاج إلى الإبهار الموسيقي.

باختصار: أراهن في هذا العام على عدم حصول “ليوناردو ديكابريو” على الأوسكار رغم حصوله على “غولدن غلوب” على دوره هذا، وذلك لسببٍ بسيط هو أن من يقيّم الأداء التمثيلي في الأوسكار هم أساتذة في تدريب الإخراج المسرحي، ويمكن لأي مختصّ في المسرح أن يلحظ بأن أداء “ليو” كان متواضعاً في هذا الفيلم على عدّة أصعدة أهمّها “نبرة الصوت المفتعلة خاصّة وقت الصراخ، لغة العين المبهمة في مشاهدٍ كانت تتطلب منها أن تنطق، لغة الجسد القاصرة وهذه سببها قلّة الخبرة في هذا النوع من الأفلام، والخلوّ من الصدق إذ لم بكن ليو برأيي يصدّق الدور الذي تقمّصه”.

كما أنني أراهن على أن “إيناريتو” أيضاً لن يحصل على أوسكار أفضل مخرج على عمله هذا، وأرجّح بأن الفيلم سيأخذ أوسكار أفضل صورة، ويمكنُ لـ “توم هاردي” أن يظفر بالجائزة أيضاً لأنه يستحقّها.

خاتمة: فيلم “العائد” هو فيلم تجاريّ جميل الصورة، خلا من المضمون القيّم، واعتمد على التسويق الإعلاميّ المرتكز على نجومية “ديكابريو” وإسم “إيناريتو” القوي.. ليحقّق مبيعات ضخمة.

إسلام أبو شكير – والآن لا شيء..

عشرين مرّةً عشتُ على هذه الأرض من قبل..

المرّة الأولى متّ في الحادية والعشرين من عمري.. في مقاييس ذلك الزمن كان عمراً طويلاً نوعاً ما.. كنّا ما نزال بدائيّين جدّاً.. وكنّا نموت من البرد غالباً.. أو في معركة مع قبيلة منافسة.. أو نذهب وجبة لذئب جائع.. شخصيّاً متّ نتيجة كسورٍ تعرّضتُ لها إثر سقوطي من إحدى الأشجار..

أطول عمر عشته كان ثمانين عاماً.. كنتُ تاجراً بين دمشق والصين.. وكان سبب موتي لدغة أفعى..

أما أجمل عمر فكان في القرن الثالث عشر.. كنتُ شاعراً جوّالاً.. أحببتُ كثيراً من النساء.. وأحببنني أيضاً.. وكانت النتيجة ديواناً من الشعر أقرؤه اليوم، ولا أجرؤ على المطالبة بحقّي فيه..

أغرب عمر عندما عشتُ كسلحفاة في قصر أميرة فارسيّة.. كانت تجربةً صعبةً في الحقيقة، لا سيّما عندما أراها عارية أمامي.. كانت تفعلها كثيراً، إذ لم أكن سوى سلحفاة من وجهة نظرها.. كنتُ أراها وهي تدلّك ثدييها بالزيت.. وأقترب.. مشكلتي الأساسيّة كانت في حركتي البطيئة.. وحتّى الآن لم أفهم الحكمة في أنّني خُلقتُ تلك المرّة سلحفاة لا نمراً على سبيل المثال..

والآن..

بعد كل تلك التجارب أعيش العمر الأشدّ مللاً..
لا شيء..
سوى ذكريات عن أعمار قديمة عشتُها.. ومتّ.

مخرج أميركي يكشف كذبة الرحلة الأميركية إلى القمر

كشف المخرج الأمريكي الكبير ستينلي كوبريك أن كل مشاهد هبوط أول إنسان على سطح القمر مزورة، معلنا أنه هو الذي كان يصورها.
وقال المخرج في حديث أدلى به قبل وفاته ونُشر مؤخرا، أن “كل عمليات الهبوط على القمر كانت مزورة، فأنا كنت ذلك الشخص الذي صور ذلك”.
ويشرح كوبريك في حديثه بشكل مفصل وشامل كيفية اختلاق وكالة “ناسا” الأمريكية للفضاء كافة عمليات الهبوط على القمر، وكيف أنه كان يصور على الأرض جميع مشاهدات البعثات الأمريكية المزعومة إلى القمر.
بهذا الشكل تم وضع نقطة كبيرة ونهائية في القطاع الفضائي الأمريكي “غير المسبوق” من قبل مايسترو المخرج في هوليود الذي يتمتع باعتراف عالمي.
ونُشر هذا الحديث المتضمن اعترافا صارخا لموضوع قد أثار الكثير من التساؤلات والشكوك لأعوام كثيرة، بعد وفاة المخرج بـ16 عاما، وبات الأخير له حيث صوره المخرج باتريك ميوريي قبل ثلاثة أيام من وفاته في مارس/آذار من عام 1999.
وأجبر ميوريي قبل تسجيل الحوار على التوقيع على اتفاق من 88 صفحة يلزمه بعدم نشر أو الإعلان عن فحواه خلال 15 عاما من يوم وفاة كوبريك.
وقد أثار اللقاء ضجة عالمية في الأيام الأخيرة بكل أنحاء العالم وكشف أخيرا زيف أكبر كذبة أمريكية كانت قد أثارت سابقا الشكوك والتساؤلات، على الأقل لعدم تكرار مثل هذه الرحلات الفضائية إلى القمر مرة أخرى مع أن التقنيات صارت متطورة وحديثة أكثر. هذا فضلا عن تساؤلات أخرى مثل سبب رفرفة العلم الأمريكي فوق القمر الخالي من الهواء.

 

فرج بيرقدار – الموقف من التفجيرات

مشكلة عقل ومنطق وأخلاق.

طوال عمري وأنا أتأسف وأحياناً أُشفِق وأحياناً أزدري موقف شخص ضد الأسد مثلاً ومع صدّام مثلاً أو العكس.

الموقف من الديكتاتورية ينبغي أن يكون واحداً، وليس تبعاً لشخص الديكتاتور، وكذلك الأمر مع التفجيرات التي تحصد مدنيين أبرياء لا نعرفهم، أو أطفالاً ما من أخلاق أو قوانين تحاسبهم على ما لا يعرفون.

العقل والمنطق والأخلاق لا يبررون تفجيراً أعمى حتى لو افترضنا أن غالبية من طالهم التفجير يضمرون مشاعراً، وليس أفعالاً، ضدنا.

بالطبع لا أريد أن أتحدث عن موتوريين يقفون إلى جانب تدمير أي منطقة حتى لو كان لهم فيها عدوّ واحد وليس غالبية!

علي عبيدات – ابن الفارض في أوج نيرفانا الخمر

الخمر والحانة والنديم والكأس والراح والقدح، وأدرها وناولها واسكبها وهاتها وداوني بها وأرحنا، والخمار والمخمور والساقي والثمالة والنادل والغلام والدِنان والكرْم، والصهباء والصرفة والعتيقة والصبوح، لا شيء في ظاهر هذا يدنو من عالم التصوف، ولا شيء كهذا يمثل باطن التصوف وذروة العرفان.

إن مخالطة النص الصوفي ومعرفة حال وأحوال أهله كفيل بأن يجد الباحث في التصوف والمتلذذ منه وفيه وعليه، الهوية الحقيقية لخمرة العاشق ومعرفته وسكره، فهو النشوَان بتعطيل كل حواسه لينثال مركز حواسه عملاً، وهو الساعي بسكره إلى نهايات ما لا يتصوره العقل ولا يتأتَّى إلا بانسياق عاشق صب صوب لا معقولية العشق.

السكرُ بعضٌ من كأس المحبَّة الذي ساق رجلاً مأساوياً كالحلاج إلى قول: ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم، وخالط هياج منتشٍ مسَّه الجذب كالبسطامي ليقول: “سبحاني ما أعظم شاني”، والكأس ذاتها فجرت ينابيع العشق في قلب مولانا جلال الدين الرومي وهو يناجي ساقيه التبريزي قائلاً: “يا إسرافيل قيامة العشق”، وهو الذي حثَّ لسان الغيب وترجمان الأسرار حافظ الشيرازي إلى الصراخ بأعلى ذبذبات قلبه قائلاً: “وشارب الخمر الذي لا رياء فيه ولا نفاق/ خير من بائع الزهد الذي يكون فيه الرياء وضعف الأخلاق”.(1)

خمرة الصوفي بلا طعم ورائحة لكنَّها نكهة قلب، ولا توابع لها لأنها بدون بداية ونهاية، والمخامرة هنا لا تخاطب حاسة من حواس المدرك والملموس وتفتك في لُب العاشق وأخيلته وتخاطب أحر منطقة في صدره متساميةً بروحه، والعاشق إذ يسكر بمعرفة وحب معشوقه (الله) لا تذبل له حاسة ولا ينأى به أي ظاهر، فهو يحاول قدر الإمكان أن يُعَطِّلَ أي دور للعقل العاجز عن إنقاذه من فقدان الوعي المطلق في حضرة البحث عن خالق الوعي وعدمه، فتراه ثملاً دون كأس وتأرجح دون ذبول وانجذاب دون جاذب، سعياً لمواصلة النريفانا الإيمانية التي يحترق بها بلذةٍ انعدم نظيرها في مسكرات الدنيا.

{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا}. (الإنسان 17)

{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} (الإنسان 21).

ومن انتشى بكؤوس المحبة الصوفية كما انتشى سلطان العاشقين عمر ابن الفارض، وهو عميد الخمريات والثمل بكلِّ مسكرات الروح، فيروي ابنه الشيخ محمد عن حال أبيه قائلاً: “كان الشيخ في غالب أوقاته لا يزال دهشاً وبصره شاخصاً لا يسمع من يكلمه ولا يراه. فتارة يكون واقفاً، وتارة يكون قاعداً، وتارة يكون مضطجعاً إلى جنبه، وتارة يكون مستلقياً على ظهره كالميت ويمر عليه عشرة أيام متواصلة وأقل من ذلك أو أكثر وهو على هذه الحالة، لا يأكل ولا يشرب، ولا يتكلم ولا يتحرك، ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة، ويُملي من الشعر أبياتاً”.(2)

على هذا النحو كان سُكْرُ ابن الفارض بمعرفة ربه وسعيه خلف حدوسه واستجلاب هدأته، وفي هذا كان عيشه، فكيف بشعره الذي وصلنا بديوان صغير الحجم، شاهق المعنى متناهي العشق ويحتوي على حوالي 1861 بيتاً، ما قرأه متعبٌ إلا واتكأ ولا مر به صاحب غِلة إلا وارتوى وما شاكلَ إلا العشاق، رغم أنه ابن عصر ماتت فيه القلوب وانغمس فيه الخلق في الصراع (الأيوبي)، وفي ميميته التي يحفظها العشاق، ينسى سلطان العاشقين موت القلوب ويحفر في ذاكرة التكوين بحثاً عن حب الله بخمرته التي تلخص رؤية العاشق المحب لمعشوقه السخي، فالخمرة هنا أزلية سرمدية باقية مستشرية ولا بدايات وحدود لها، فهي لا تُشْرَب لأنها لم تدرك، ولا تدرك لأنها صاحبة سبق في الخَلْق وجاءت قبل الموجودات، كأنه يرمي إلى خمرة الكون البِكر التي تتجلى في تجليات الله في كل موجودات الكون واصلاً بالوجد والعشق مكاناً ومكانةً لم تطأها الأخيلة قبْله وما تآلفت معها خمريات من سبقوه، فهو يقول:

‎شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً

سَكِرنا بها، مِن قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ

‎لَها البَدرُ كأسٌ، وهي شمسٌ، يُديرها

هلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجتْ نَجْمُ

‎خمرٌ مشاع، والسبقُ لمن ثمل، ليست كخمرة القدماء كطرفة بن العبد وعدي بن زيد وعمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، عندما كان الخمر فرعاً من عنبٍ وبلح وكان النديم سيفاً ودم، أو كخمرة من تغنوا بأقداحهم قبل وبعد الإسلام أمثال كعب بن زهير وحسان بن ثابت والحطيئة والأخطل (غياث بن غوث بن الصلت)، ولم تكن كخمرة أكثر من اشتغل بها -شرباً ووصفاً- أبو نواس وصحبه أمثال أبو العتاهية والحسين بن الضحاك، ولم تكن الخمرة في عصر الطرب والفكر (إشبيلية وقرطبة) خمرة معنى وعمق أبان حضورها في شعر تلك الناحية أمثال شهاب الدين العزازي وابن سناء الملك ويحيى القرطبي والمعتضد بن عباد، وغيرهم.

وحتى العصر الحديث وهواة الخمر وسيرته أمثال على محمود طه ومحمود سامي البارودي وأحمد شوقي، فهي في الميمية كرامة حُب وعندهم رهينة الألفاظ والوصف والطعم. ولعل شعر هؤلاء، على امتداد تاريخ الشعر لم يتجاوز ما قاله صاحب “العقد الفريد” عن حال الخمر: “إن مشارب الرجل يقال له نديم من الندامة، لأن معاقر الكأس إذا سكر، تكلم بما يندم عليه”.(3) فبعضهم سكر ليفرح والبعض لينسى وآخرين لجأوا للكأس ليخالفوا محيطهم العام الذي حرَمَهْ، إلا أن سكر الروح ونشوة الثمل دون كأس ليست إلا لأهل العرفان.

امتلاء وارتواء، ووجود شهودي وتجليات إلهية في كأس ابن الفارض، تجاوزت الأمر والنهي وخرجت عن سياق أي ثنائية أو ضدية، فوجوبها يجب والاستجابة لها واجبة وسط اندلاق روحي وتسامٍ نفسي تجاوز كل معاني الخمر وسياقاته الدلالية لنكون أمام كأس محبة صرفة، بني خطابها ضمن ارتقاء روحي تعطلت فيه الحواس، واندلق الشعر بأثره، ليقول:

وقالوا: شربتَ الإثمَ! كلا، وإنما

شربتُ التي، في تركها عنديَ الإثمُ

‎هنيئا لِأهلِ الدير! كم سكروا بها،

وما شربوا منها، ولكنهم همُّوا

يجد متلذذ خمرة سلطان العاشقين تجليات السُّكر المادي بتبعات سُكر العشق الإلهي، فإذا ثمل الرجل بخمرة العنب ثمة تبعات لحالة السُّكر، وأن يقبل المرء على الخمر يعني أنه وجد فيه لذة ما قبل الشرب وشوق عارم لمقارعة نشوة الخمر، وكذلك سُكر سلطان العاشقين، فمحاسن خمرته طاغية، ليكون الخمر هنا في مقاربة بين ثملين، ثمل يسكر بعنب الدنيا وآخر انتشى بسكر روحه وانشداه حواسه وتعطيلها بداعي النشوة، وتثير الخمرة كليهما بنفس الطريقة، لكن المفارقة في الوصف الذي سيترتب على السُّكر في كلتا الطريقتين، فالأول حسبه جسده الذي أنهكه والثاني تتألق روحه وتضوع في معارجها دون تعب، ومن هذا قوله:

‎محاسنُ، تهدي المادحينَ لوصفِها

فيحسُنُ فيها منهُمُ النثرُ والنظمُ

‎ويطربُ من لم يَدْرِها، عند ذكرها

كمشتاق نعم، كلما ذكرتْ نُعمُ

ولا يخفى على القريب من النصوص العرفانية أن الخمر تحديداً كمعرفة إلهية وحالة هياج عاطفي واندلاق روحي، يعامل على أنه عمود من أعمدة التلقي عند الصوفية، يكتب الشعر بمعيته، وتندلق نصوص العرفان بكل أشكالها آناء انتشاء صاحبه، ومن الفوارق الجوهرية كما أسلفت، ما سيقال وسيحدث وسيترتب على الثمل بعد وأثناء سكرته، فيقول حافظ الشيرازي في هذا:

ألا يا أيها الساقي أدر كأساً وناولها/ كه عشق آسان نمود أول ولى افتاد مشكلها

جاء الخمر في خمريات ابن الفارض بين حال ومقام، “فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من الوجود نفسه، والمقامات تحصل ببذل المجهود”(4)، ولعل الطرب كحال أقرب ما يكون إلى الخمر لأن السُّكر كرمٌ من المعشوق يجود به على العاشق الذي سعى بمقام اليقظة طمعاً بحال الطرب أو شيء من البسط والقرب، فالنظر (الطلب) وحده كفيل بأن تفتح أبواب النورانية، ومن مات قلبه وسعى لحياة جديدة (العشق) سيكون الخمر ترياقاً لبث الحياة فيه، كما في قوله:

ولو نظر الندمان ختم إنائهــــــــا

لأسكرهم من دونها ذلك الختــــــم

ولو نضحوا منها ثرى قبر ميــــت

لعادت إليه الروح وانتعش الجســم

ولو طرحوا في فيء حائط كرمهـــــا

عليلاً، وقد أشفى، لفارقه السقـــم

عُدَ ابن الفارض سلطاناً للعاشقين وأكبر شاعر عربي بين المتصوفة العرب، فكان مأخوذاً بالعشق الإلهي وسجيناً حراً وهو يتماهى مع تجليات الصفات الإلهية وجمال الحضرة والحالة الصوفية التي سكر بها، ليصوغ خمرة عشقه الخاصة والمنقطعة النظير، وأثر بها على كل المتصوفة العرب، فتراه يقول:

كل من في حماك يهواك لكن/ أنا وحدي بكل من في حماكا

فيك معنى حلاك في عين عقلي/ وبه ناظري معنى حلاكا

فقت أهل الجمال حسناً وحسنى/ فبهم فاقة إلى معناكا

يحشر العاشقون تحت لوائي/ وجميع الملاح تحت لواكا

وفق مراحل ومقامات وأحوال الطريق إلى الحقيقة (الطريق الصوفية) ثمة خطاب دائم يردِّده الشيخ للسالك ويقول به العارف لمن يجهل ويجود به من ذاق وعرف وأنهى احتجابه بالرياضة (المجاهدة)، ويلخص هذا الخطاب بالنصح والإرشاد بين طرفين يشكلان عصب الحالة الصوفية (الشيخ والمريد) ليكون العارف في المحصلة صاحب رؤية خاصة أنارها المعشوق للمأخوذ به، وبعدها يندلق العارف بوصف رؤاه مسهباً بما رآه، وإلا لما حضرت أنوات النفس في نصوص العرفان، فالأنا غرور مطلق ولا يستسيغها المتصوفة وما جيء بها إلا كدليل من العاشق المحترق على حتمية ما رآه وكُشف له وأدركه، وأن تكون خمرة هذا الشيخ كصهباء سلطان العاشقين يعني أن يجلبها بمسيرة الخمر الشاقة التي انتشى بها السلطان وأصبحت رافداً مهماً لمن يليه، ليقول:

قل للذين تقدَّموا قبلي ومِن/ بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى

عنِّي خُذوا وبيَ اقتدُوا وليَ اسمعوا/ وتحدَّثوا بصبابتي بين الورى

تفعل خمرة ابن الفارض بصاحبها فعل النار بالهشيم، ولا يخلو شعره من هوس النشوة والغبطة المطلقة بهذا السُّكر، فتراه على باب احتراق وفي تسامٍ صرف أسبغ عليه خصوصية سكره ووعيه وبيانه وسلوكه، فهو الهائم بين شعاب مكة في غير وقت الحج، وهو أكثر من قال بسكر المتصوف وانسياقه إلى نشوة معرفة المُصافي (الله)، وهو الذي كان يفقد الوعي ويسقط مغشياً عليه عندما تنطبق عليه المكاشفات وتنهكه الهواتف وفق الروايات، لأن “المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات”(5)، وأي محبة تلك التي يجيء بها خمر معرفة الذات الإلهية، فلا حب دون معرفة المحبوب، فالعشق في الطريق الصوفية مقام يتأخر عن مقام المعرفة، وبينهما مقام الطلب الذي يفتك بقلب السالك ريثما يؤذن له بالعشق وما بعده من معرفة.

وخير دليل على غبطة ابن الفارض المستديمة كصوفي شاعر وليس كشاعر صوفي، احتشاد المجازات والسجع والتشبيه والاستعارات وسائر صنعات البديع ونفائس البلاغة في خمرياته، فهو مهيأ كشاعر لقول الشعر ونظم القصيد لكن لو قال شعره دون انغماسه ونيرفانا خمره سيكون شاعراً فقط، كغيره من شعراء القافية والبناء والمضمون والقوالب، ورغم هذا من الصعب أن نفاضل بين ابن الفارض الشاعر وابن الفارض الصوفي وأيهما الأسبق في نفسه بصورة مطلقة، لكن، استقر في صدور الناس عموماً والعشاق خصوصاً شعر النشوة الصوفية والمخامرة الهائجة التي منعت المُفاضل أن يُبوِّب شعر ابن الفارض بين جبلَّة شاعر مجيد وسُكر متصوِّف منجذب، فلا فكاك بين هذه الدينامية المتشابكة بين ذهنية عاشق صبٍّ وأسلوبية وجبلة شاعر فحل، وبين السكر والاحتراق ترتقي النيرفانا الصوفية بصاحبها ليقول:

زدني بفرط الحبِّ فيك تحيُّراً / وارحم حشىً بلظى هواك تسعَّرا

وإذا سألتك أن أراك حقيقةً/ فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا/ سرٌّ أرقُّ من النسيم إذا سرى

وأباح طرفي نظرة أملتها/ فغدوت معروفاً وكنت منكَّرا

فدهشت بين جماله وجلاله/ وغدا لسان الحال عنِّي مخبِرا

على هذا، ينبئ شعر ودور وقيمة وتأثير وإرث وانغماس وتفرُّد ابن الفارض في صوفيَّته بأننا أمام مشروع روحي لم يتكرَّر بعد بكامل سياقات واندلاقات الدفق المعرفي والروحي والفلسفي والشعري الذي جاد به ابن الفارض، والخمر وأحواله تحديداً ركنٌ رئيسٌ من أركان المساحات الصوفية في شعر ونثر المتصوفة، إلا أنه امتاز بميزات خاصة رسمها ابن الفارض في إنتاجه الشعري وفي خمرياته تحديداً، فالشعر كبيان مجبولٌ بالحالة الصوفية كمشرب فكري ورحي وسلوكي بأبعاد فلسفية دقيقة واطلاع واسع برع به الشاعر المُجيد بوصفه والصوفي الذي نبغ في شعر طائفته العرفانية.

في خمر ابن الفارض، نرى الخمر أصلاً في التكوين، ونرى النديم تجاوز المحسوس والملموس والبشري، وسما حتى لامس فرقدان الشراكة الروحية ورفرف جوزاء القيم الروحية والمعاني النورانية التي لا يتذوقها إلا من عرف عالم الحال والأحوال واتكأ على سدرة المراقبة والسعي والتأمل والفصل بين المُعاش المريب والمتخيل المؤكد وسائر ضروب الفطنة الروحية والانغماس في المطلق وما بعده.

يوسف زيدان – الإلحاد قضية وهميّة !

نظم الأكاديمي والكاتب المصري د. يوسف زيدان أولى ندوات صالونه الشهري تحت عنوان «الاسم والمسمى نموذج الإلحاد» وسط حضور مكثف من الكتاب والباحثين والشباب ملقيا الضوء على العديد من المصطلحات والمفاهيم التي انتشرت على الساحة الثقافية دون وجود أسس أو قواعد لها مؤكدا أن الهدف الرئيسي هو إعادة ضبطها لأنها متعلقة بالعقل مشيرا إلى أن العقل هو صانع الأفكار ومن خلاله نرى الكون كله وأفكار العقل الكبرى هي التي تشكل سلوك الجماعة.

يشرح د. يوسف زيدان: «إن لم يتم بناء العقل فلن يستطيع فهم ما يحيط به، ونأخذ على سبيل المثال قضية الإلحاد فهي قضية وهمية بالأساس وانتشرت كالنار في الهشيم في الوطن العربي حتى بدت أقرب إلى الخبل العام، ومن هنا وجب علينا أن نوضح بعض المفاهيم مثل إلحاد – هرطقة – زندقة – كفر – جحود ونفهمها من المعنى اللغوي والدلالي وتتطوراتهما.

الإلحاد من حيث اللغة، بحسب د. زيدان، مشتق من مادة «ل ح د» وتعني قبراً، ويلحد تعني يعجن غطاء القبر. أما يلحدُ فتعني يدحرج الجثة من جانب القبر لتستقر به. بالتالي، المعنى الاصطلاحي هو مال أو اتخذ طريقاً معوجاً، واستعملت الكلمة في القرآن بدلالتها في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)» وتعني لسان الذين يميلون إليه أعجمي إشارة إلى ورقة بني نوفل الذين ادعوا أن الرسول كان ينقل عنه رغم أنه كان لسانه سيريانياً، والرسول لسانه عربي وقرآنه عربي، ونستخلص من هذا أن يلحد معناها يميل والدلالة الاصطلاحية للقرآن أن يميل الشخص عن الرأي الصواب.

يتابع د. زيدان: {لفظ {هرطقة} ليس واسع الانتشار لكنه مستخدم بشكل أو بآخر، ولا بد من أن نعرف أنه لفظ استخدم قبل ظهور الإسلام. لجأ إليه آباء الكنيسة القدامى (هرسي)، إذ كان يستخدم أيام اليونان للإشارة إلى الأحزاب والجماعات والتنظيمات، وكل شخص ينتمي إلى جماعة لها أفكارها الخاصة سياسية أو دينية أو أدبية أو حتى رياضية كان ينعت بالهرطوقي. ولم يكن للمصطلح أي مدلول سلبي آنذاك إطلاقاً، وكان آباء الكنيسة يناقشون تلك الجماعات بالحجة والقياس والمثل، كما كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين. وبامتداد الزمن أصبح يستخدم للإشارة إلى غير المؤمنين بالمسيحية، فالفيثاغوريون هراطقة والإبيقوريون هراطقة.

هكذا أخذت الكلمة {هرسي} أو هرطقة دلالة جديدة، أي بمعنى غير المتوافق مع الرأي السليم أو الإيمان القويم، وهو أمر طبيعي يرتبط بتطور اللغة ومن الضروري بمكان أَن نتفهم دلالة المصطلح وتطوره كي لا تحدث قطيعة بيننا وبين تراثنا}.

ويؤكد د. زيدان أن هذه الأمور تعتبر أمثلة واضحة على استخدام رجال الدين للعبة اللغة أو المراوغات اللغوية، لتحقيق مصالح غالباً لا علاقة لها بالدين إنما بالسلطة، وبالتالي فإن تطور الفكر الديني وتغير مواقف المفكرين وأهوائهم ومصالحهم السياسية هو الذي أعطى المعنى السلبي لكثير من هذه الألفاظ كالملحد أو الهرطوقي… إلخ..

أما راهناً فالإثارة المنتشرة حول فتاوى قطع الرقاب هي حملات كاذبة لفرض سلطان سياسي لجماعة ما. وأشير هنا إلى الجدل بشأن حلمي النمنم، وزير الثقافة الذي بدأ عهده دون قصد بصدام مع السلفيين بسبب مقولته الشهيرة {إن معظم المصريين علمانيون}، قاصدا بذلك أنهم يفصلون وقائع حياتهم اليومية ووقائعها القانونية عن الدين، فأؤكد أن الهدف هو عدم الانجرار إلى مشاكل هامشية تسمح لشيوخ السلفية باستغلال انتشار حالة الجهل عند الناس لترويج مفاهيم من نوع الاستتابة والارتداد وما شابههما، فنحن نريد الحفاظ على توازن المجتمع من دون استثارة أي طرف من الطرفين للمشاعر السلبية لدى الآخر، ويكفي أن نشير إلى أن انتشار الأفكار السلفية المتشددة صنع ظاهرة علياء المهدي، وكلاهما ضد توازن المجتمع}.

وختم الدكتور يوسف زيدان بتأكيده أن الهدف الحقيقي من إثارة هذه الاضطرابات والقلاقل إبعاد الناس عن واقعهم ومشاكلهم الحقيقية وإلهائهم عن تطوير مجتمعاتهم.

فادي عزّام – يا الله ما أكثر خلقك يا الله !

بياع “غمّة ” على عرباية بالحريقة..

كان ينادي يا الله ما أكثر خلقك يا الله، ويبيع سندويشات شي لسانات شي غمة شي مكونات غير الباري ما بيعرف من شو مكوّنة!

إجا لعنده “واحد فضولي” سأله شو بيقصد بـ يا الله ما أكثر خلقك؟ ما لازم ينادي على بضاعته بغير عبارة؟!
البياع عملّه سندويشة من “بالغمة” وقله للسائل: كول..
الفضولي مجرد أكل أول لقمة بزقها: العمى شو هاد طعمتا حاشا الله مثل الخرى! 
جاوب البياع: شفت؟ وكل يوم ببيع وبلاقي مين يشتري!

لأنه يللي بياكل مرة مستحيل يعيدها.. فعلى شان هيك يالله ما أكثر خلقك!

وأنو الإعلام السوري عما يلاقي من يشتريه لهلق و24 ساعة عما يطعميهم …

يمكن السبب لأنه الإعلام المقابل بدو يطعمي الناس نفس السندويشة بس بغير ترنيمة على أساس كلنا بلهاء!

يا الله ما أهبل بعض خلقك .. يا الله!

عروة الأحمد – هاجسُ الفقد

إنَّ الهاجس الأكبر الذي عزَّزته لدينا هذه الحرب هو هاجسُ الفقد.

إذ باتَ كلّ ما في سوريا اليوم يُنبئ بالفقدان، ويوحي بوحدةٍ شبه دائمة ترافقنا أينما حللنا، وكيفما اتّجهنا.

وفي الوقت الذي يبتسمُ فيه القدر لنا؛ لنجدَ ما يكمّلُ كياننا، ويؤنسُ وحدتنا، ويبعثُ فينا الطمأنينة والسلام؛ ترانا قلقين دوماً من خسارتنا.

كيف لا؟ ونحنُ أصحابُ الخسارة الأكبر، والفقدِ الأكبر!

كيف لا؟ وقد فقدنا الثقة الأولى مُذ خرجنا من رحمِ أرضنا، وتُهنا في زحام الشَّتات!

هاجسُ الفقد الذي -سيبقى- يرافقنا؛ لعنةٌ لن تزول عنّا نحنُ جيلُ الفقد؛ لا أثناء بحثنا عن الوطن الصغير (الحبيب)، ولا بعد لقائنا به.

هاجسُ الفقد سيبقى ندبةً في الروح تُنذرنا بأنه لا بأس بقليلٍ من التفكّر قبلَ حزم الأمتعة، وقبلَ المضيّ نحو اليباب.

عدنان حلو – التسوية في فيينا.. لسوريا أم للمنطقة؟

منذ استقلال سوريا في منتصف الأربعينات حتى عام 2011، كان الصراع العربي – الصهيوني يشكل محور الحياة السياسية السورية في كافة مناحيها وحقولها؛ بغض النظر عن مدى جدية هذا الطرف السوري الرسمي أو الشعبي في اعتناقه أو تبنيه للقضية الفلسطينية أم لا!
كانت الأنظمة -على تعاقبها- ترفع شعار “لا يعلو صوت فوق صوت المعركة”، وكانت قوى المعارضة -على تنوعها- تطرح برامجها وشعاراتها على أساس أنها الأكثر جدية وصدقية في التهيؤ للمواجهة مع العدو الصهيوني.
فقط مع اندلاع أحداث 2011، وفجأة، وبصورة شبه كلية ارتفع هذا الموضوع بصورة مطلقة من التداول، وحلَّت مكانه شعارات داخلية صرفة!
حتى في حالات الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على هذه المنطقة السورية أو تلك؛ لم يكن الأمر ليستوقف أحداً من القوى المتحاربة وكأنه مجرد فاصل إعلاني عابر في سياق الفيلم الدموي المستمر.
ما من شيء يشبه هذا التغييب الغريب لموضوع الصراع مع إسرائيل أكثر من لجوء الحواة ولاعبي الخفة للفت نظر جمهور المتفرجين عن الأمر الأساس الذي سيكون موضوع لعبتهم ليعود إلى الظهور في النهاية بصورة مفاجئة تبهر الأنظار بغرابتها!
هذه الصورة كانت حاضرة في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي ومبعوث الأمم المتحدة ديمستورا في ختام اجتماع فيينا قبل أيام؛ فبعد تلاوة البيان الشهير الصادر عن ذلك الاجتماع وتولي الوزيرين والمبعوث شرحه وتفصيله، لاسيما عندما أكد ديمستورا أن من بين القوى المتحاربة هناك من سيلتزم بوقف إطلاق النار طوعاً، وهناك آخرون تمون عليهم قوى مشاركة في الاجتماع سوف تلزمهم بالالتزام. عند ذلك بدا واضحاً أن هذه الأطراف التي تمثل المجتمعين الدولي والإقليمي هي التي كانت تقود الأحداث على الأرض السورية وهي التي سوف تتولى وضع حد أو نهاية لهذه الأحداث!
ترى ألا يطرح السؤال هنا حول هدف هذه الأطراف الدولية والإقليمية من ذلك كله؟!
هل تم تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن هكذا لوجه الله؟
هل هي مجرد كارثة شبه طبيعية حلت بالعرب مع مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، مثلها مثل أي زلزال أو إعصار يضرب هذه المنطقة من العالم؟
هل كان لوجه الله دور الولايات المتحدة خاصة (وكل الآخرين بشكل عام) منذ الأيام الأولى للأحداث عندما كان سفيرها روبرت فورد يتابع كل صغيرة وكبيرة في شؤون “الثورة السورية” ومعه دبلوماسيون ورجال مخابرات من العديد من الدول التابعة غير المشهود لها أبدا بالشغف الديمقراطي أو بالوله الغرامي بالشعب السوري؟!
أم أن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” لم يجد غير انفجار الأحداث في سورية كتوقيت لحجّه التاريخي إلى القدس المحتلة ليناقش مع نتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيليين موضوع تلك الأحداث وتطوراتها، ثم ليعود رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى رد تلك الزيارة عشية إعلان موسكو عن مباشرتها التدخل الجوي في سوريا؟!
على ضوء هذه التساؤلات غير البريئة، نعود إلى لقاء فيينا وبيانه. حيث نرى:
أولاً: إن إسرائيل كانت حاضرة في الاجتماع من خلال أصدقائها الكثر بين أطرافه. تماما كما كانت حاضرة في الأحداث السورية من خلال اعتداءاتها المتكررة خلال تلك الأحداث ومن خلال إشرافها المباشر وغير المباشر على الكثير من ساحاتها لاسيما في الجنوب وأطراف الجولان وداخل غرفة الموك في الأردن. كما أن إسرائيل هذه؛ المطلة على الجغرافيا والأحداث السورية، قادرة في أي وقت على نسف أية ترتيبات في تلك الجغرافيا لا تكون مناسبة لها، وليس هناك أي طرف بين هذه الأطراف قادر أو عازم على منعها من ذلك، تماما كما كان يجري خلال تدخلاتها العدوانية المتكررة على مدى السنوات الخمس الماضية، عندما لم تكن تجد من يقول لها : ما أحلى الكحل في عينيك!
ثانياً: إن أطراف هذا اللقاء، الممثلين للمجتمعين الدولي والإقليمي، غير معنيين بالأحداث السورية لأسباب سورية فقط، بل هم قيمون على موضوع أوسع وأهم بكثير هو استقرار المنطقة الشرق أوسطية كلها وما يمكن أن تشكله من ورشة هائلة للشركات متعددة الجنسية في المستقبل المنظور!! وهم كما -هو وارد في بيانهم- سيعملون على تشكيل بنية جديدة للدولة السورية يلملمون مكوناتها من الحطام المتناثر على أنحاء الأرض السورية.
ثالثاً: إن هذه الدولة المبنية من قبل المجتمعين الدولي والإقليمي ستكون، رغم علمانيتها ووحدة أراضيها كما ينص البيان، خاضعة تماما لمسلمات المجتمع الدولي وقوانينه وأعرافه وشروطه، ولعلّ في أول أولويات هذه المسلمات والقوانين والأعراف والشروط الانخراط في مشروع تسوية ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، ومن المؤكد أن سوريا الناهضة من بين الأنقاض بمساعدة المجتمعين الدولي والإقليمي ورعايتهما، والتي ستكون معتمدة على مساهماتهما في إعادة الإعمار والتوطين وغير ذلك؛ لن تكون قادرة على العودة إلى سياسة مستقلة عن هذا الدور الدولي والإقليمي ومتمردة عليه؛ بغض النظر عمن سيبقى أو ينسحب أو يظهر من جديد في مدارج المسؤولية فيها. مثلها في ذلك مثل العراق المدمر وليبيا الممزقة واليمن الرازح تحت نيران القصف الجوي والبحري والبري لما يسمى ب”التحالف العربي”!!
وهنا جدير جدا بالملاحظة أن هذه الدول العربية الأربع يجمعها قاسم مشترك واحد، على اختلاف أنظمتها السابقة للأحداث وسياساتها، هو عداؤها للكيان الصهيوني وعدم انخراطها في ما يعرف بالتسوية السياسية لأزمة المنطقة!
أما متى ستخرج أرانب التسوية من قبعات اللاعبين في فيينا أو جنيف فهو مسألة توقيت مناسب. لأنه سيكون مرتبطا بنهاية الاحتفال، احتفال الدماء مع الأسف!

رؤيا سعد – الرسالة الأخيرة لدو سانت إكزوبيري

” إن من يهب الأشياء جمالها شيءٌ خفيٌ لا تراه العيون “
كان أنطوان دو سانت إكزوبيري (1900-1944) طيار مشهور ورورائي حاول من خلال رواياته أن يعثر على معاني السلوكيات وتحليل القيم الأخلاقية في أوساط المجتمع المتحول بسبب التقنية الحديثة.
“عالم البشر، لم ير به إلا كبارا، لا يدركون عبث كل ما يصنعون، وحدهم الأطفال بحبهم لدمية وحزنهم لكسرها يعيشون حقيقة المحبة” . من رواية الأمير الصغير.
من حيث الشخصية فقد كان انطوان يتمتع بشخصية مميزة فهو رجل رقيق شفاف حالم ذو عقليه فنتازية خيالية يعيش أوقاته مع أسرار الرياح والرمال والنجوم، وكان واحدا من المغامرين الكبار والروائيين المدهشين وهو اليوم الأكثر شهرة على الإطلاق من خلال اشتهاره بروايته الأمير الصغير ذات البعد الإنساني والفلسفي الكبير، وهي تحكي لقاء بين طيار قد تقطعت به السبل وأمير صغير يعيش في كويكب.
ولأنطوان قصص وروايات أخرى لاقت رواجاً كبيراً وجميعها تحوم حول تجاربه الشخصية كونه من الرواد في الطيران الفرنسي في عصره.
وعلى ما يبدو أنه كان يعاني من أزمات نفسية بسبب مهنته ووقوعه أسيراً وفق ما نستشفه من رسالة كتبها إلى أمه التي كان دائماً يتداول الرسائل معها؛ كونه لا يستطيع الاستغناء عنها بعلاقته الوثيقة التي تجمعهما وسبق ونشرت مجموعة من رسائله في كتاب جميل بعنوان رسالة لأمي (دار غليمار). فيقول :-
“لقد عانيت الانهزام والانكسار والوحدة القسرية في الأسر ..”.
لكن رسائل دو سان اكزوبري التي بعثها لحبيبته “رينيت” التي كان يحبها وافتتن بها بعد أن تعرف عليها في الجيش ووقع في غرامها وهو في مهمة بين مدينتي الجزائر ووهران ، تخبرنا من خلالها بأنه كان متلهفا للقاء تلك الحبيبة كونه كان يحرص على أناقة الرسائل المزينة بختمه المميز برسمة الأمير الصغير والذي كان يرسم تخطيطاته بيده، آملا أن تنال إعجابها لكنه كان يريد بذلك أن يغطي على شخصيته المرهفة الخجولة التي تمنعه من التعبير عما يخالجه من عاطفة نحو الفتاة.
رغم جمالية فحوى الرسائل، إلا أنها تتسم بمسحة حزن حيث أحس بأن الفتاة لا تشاطره العاطفة بنفس الدفق ” حب من طرف واحد ” وسرعان ما تنبه لذلك فكتب لها ” في 22/يونيو / 1944:
لقد اتخذت قراري فمنذ الآن لن يكون هناك أمير صغير يناشدك ولا حتى بعد غد فأميرك الصغير قد مات …. وبعدها بأسابيع اختفى.
بعد هذه الرسالة، وتحديدا في يوليو من سنة 1944 تاه إلى الأبد ولم يعرف له مكان، وكذلك مكان طائرته المجهولة، ومن المرجح أنه انتحر لتفاقم الأفكار والتساؤلات الوجودية في رأسه، وقد رجح أيضاً أنه لاقى حتفه في أعقاب إحدى المهمات الاستطلاعية عام 1944م، ولم يتم العثور على جثمانه إلا مؤخرا 1988م وفق بعض الروايات غير المؤكدة”.
من رسائله لحبيبيته رنيت:
رفيقتي لقد ضعت في زحمة أفكاري، وآن لي أن أجدني مهما كلفني الأمر. علي أن أسعى لوجودي .
عزيزتي رنيت أنا لا أفهم شيئاً في هذه الحياة، عدت الآن ولكنني لم أجد منك شيئا .. لا تتعبي نفسك في الكتابة إلي فأنا لا أستحق منك أي عناء، سأقطع الأمل منك ولن أخاطبك بعد الآن ولن أرسل لك أي عنوان. بت مضحكا للغاية فلا معنى أن أستجدي منك المحبة، أنا كنت بحاجتك وأنت لست بحاجتي .. لاتبتأسي فهذا أمر طبيعي. الليل يستمر ببطء، وببطء أنام، لكنني أخاف البوح بأسراري ويقلقني نسياني لضغائني وهفواتي. هذا أمر خطير يا إلهي، فهل أنا مفتون بضعفي؟.

سهى الصوفي – إلى هشام

وسيتذكرون أن اسم أبيهم كان معلقاً على باب الدار..
وأنه في الطابق الثاني بيتٌ ببابين،
ووراء الباب: يقف أبي حين يعود من وظيفته معانقاً أحباب قلبه.

وسيتذكرون أن لون الصالون قرميدي، ولون غرف النوم أزرق..
وأن لون الحب أزرق، وقلب السبعة كان كلون المدينة: أزرق..
وأن أبي؛ لم يكن ينام.. بل يقرأ المعوذات حول أسرّتنا خوفاً علينا من يوم أسود..
وأن مسبحة جدتي في الدرج..
وقرآن أبي في المكتبة..
وعمر أمي في حيطان البيت.

وسيتذكرون أن البحر كان يطل على البيت..
والإلهُ كان يسكن فوق البيت..
وأن حكايا الحب التي مرت قرب البيت.. سكنت ذاكرة البيت،
ولم تضجر.

سيتذكرون أنهم أقسموا أن يتذكروا:
أن شرف أبيهم لم يباع..
وطهر أبيهم لم يمس..
ودم الصّوفي الساكن في العروق؛ لن يجفَ..
وأن شراعَ “هشام” لم يُكسر.. حتى حين غرقَ المركب..
سيتذكرون أن ملوك الغابة يخشون الكنار..
ووطاويط الليل.. يرتعدون من ضوء الشمع..
وأنهم كانوا كالفَرَاش.. يعرفون قدر الاقتراب من النار.

وسيتذكرون؛ أن في القلعة قبر لشيخ وحفيد..
وأن الظلم يقتل الشرفاء.. كما الموت يفعل بالشهيد..
وأنه ما عاد في وطنهم ميلاد ولا عيد..
وسيتذكرون..
دائماً سيتذكرون: أن اسم أبيهم كان معلقاً على باب الدار..
وأنه في الطابق الثاني، بيتٌ ببابين..
في مشروع الصليبة:
حارة العامود، كان هناك..
بيت لرجل اسمه هشام وجيه عارف الصوفي.

صخر ادريس – تحاميل بالخبز !!

تذكرت هالقصة صارت معي فعلاً، وكل ما بتذكرها بفرط من الضحك..
كان فيه دكتور أطفال مشهور بحمص اسمه “منير خماسمية”، وعلى طول بتشوفوه عم يبهدل الأمهات ويشتمهن على اهمالهن لأطفالهن..
كانت أمي على طول تاخدني لعنده لما امرض وكان صديق العيلة، وبعد ما طلعنا من حمص كنت روح سلم عليه كل ما زرت اقربائي هنيك..
مرة زرته وشفت خدوده حمرا من التعصيب ونازل سب وشتم بوحدة وهي عم تبكي، وباب العيادة مفتوح والكل عم يسمعوه، وشفايفه طالعة من محلها من كتر تعصيبه..
سلمت على الممرضة وضليت برا بالاستقبال عندها وقلت خليه يهدأ..
لما شافني نادى لي وقال لي تعا لشوف اشرب شاي وطمني عنكم وبعدين افرقني..
سالته ليش معصب.؟
قال لي هي “الحمارة” اعطيتها وصفة تحاميل لابنها منشان الحرارة من كم يوم، وجايي اليوم عم تخبرني انه ابنها ماعم تنزل حرارته وتعبان، وهي عم تحكي قالت لي انها عم تدهن التحاميل بالخبزة وتطعميه ياها، لأنه بيوجعها قلبها على ابنها..
لك عجبك بنت …..عجبك هالـ….
.
هلا مابعرف ليش تذكرت قصة “التحميلة” يمكن على سيرة التسريبات اللي بتطلع على مين رح يستلم ومين توافقي ومين موافقة عليه هي الدولة او هديك..والكل “حميان” ومتل النار….
حاسس هلا عم يدهنولنا التحميلة بالخبز وعند الجد رح يحطوها بالمكان المناسب منشان تنخفض حرارتنا كلّنا!

فراس طلاس – محللٌ للإخوان.. محرمٌ على غيرهم

إن اجتمع الاخوان المسلمون مع الايرانيين في عُمان فهذه سياسة، وإن اجتمع غيرهم فهذه خيانة للثورة..

وإن اجتمع الاخوان المسلمون مع الروس في تركيا فهذه سياسة، وإن اجتمع غيرهم فهذه خيانة..

مسموح للاخوان أن يقابلوا من يشاؤون فهم القيمون على الثورة، وممنوع على غيرهم.

ذكرتوني بالأسد يا مرآة الأسد.. قُبّح الأصل وقُبّحت مرآته.

مصطفى عابدين – أهم تحليل قد تقرأه عن أسباب الغيرة بين الشريكين

لماذا يشعر الرجل بأن عليه حماية شريكته من بقية الذكور و لماذا تشعر الأنثى أن عواطف زوجها يجب أن تكون حصريةً لها؟ كيف تؤثر هذه الغريزة في صياغة العادات و التقاليد السائدة في المجتمع؟

جميع الكائنات الحية تعيش في سبيل التكاثر لغاية الاستمرار عبر الأجيال. هذا الهدف الرئيسي في الحياة هو المحرك الأساس الذي يحدد غرائزنا و عادتنا و تصرفاتنا. كلنا يعرف أن أغلب الكائنات تتألف من زوجين (أنثى أو ذكر) لكن ما هو التعريف العلمي للأنثى و الذكر؟ هل يحدد الجنس عن طريق الأعضاء التتاسلية حصراً أم أنه يوجد معايير آخرى؟

تعريف الأنثى و الذكر: 
لدى كلا الجنسين خلايا جنسية (بويضة / حيوانات منوية). هذه الخلايا هي ما يحدد جنس الكائن. الكائن ذو الخلايا الجنسية الأغلى يعتبر أنثى و الكائن ذو الخلايا الجنسية الأرخص يعتبر ذكر. ما أعنيه بكلمة أغلى و أرخص هو من الناحية البيولوجية طبعاً. البويضة كميتها محدودة جداً مقارنة مع الحيوانات المنوية و تستهلك كمية أكبر من الموارد الغذائية لكي يتم انتاجها. إذاً من الناحية الجينية لا يهم نوع الأعضاء التناسلية لتحديد الجنس و إنما القيمة البيولوجية  للخلايا الجنسية.

الإستثمار الجيني:

…الاستثمار الجيني هي فكرة أساسية جداً في تفسير غريزة الغيرة لذلك أرجو التركيز عليها جيداً…

عملية التكاثر تتم عبر تلاقح البويضة مع الحيوان المنوي. ما يحدث بعد هذا التلقيح مهم جداً لأن الموارد التي يحتاجها جسم الانثى هي أكبر بكثير من
الموارد التي يحتاجها الذكر. في الحقيقة الذكر لا يحتاج أي موارد بعد عملية التلقيح و يستطيع تكرار العملية عدة مرات كل يوم مع إناث مختلفين لأن حيوانته المنوية رخيصة و متوفرة و ليس عليه أي أعباء بيولوجية بعد التلقيح. أما الانثى فبعد تلقيح بويضتها فعليها استثمار كم هائل من الموارد الغذائية لكي ينمو جنينها وعليها اسثتمار وقت طويل لا تستطيع خلاله من التكاثر. هذا يعني أن الأنثى لديها استثمار أكبر من الناحية البيولوجية (بويضة) و من الناحية الإقتصادية (موارد و وقت) و من حيث الفرصة البديلة للتكاثر. أي وقت تصرفه الأنثى أثناء الحمل هو وقت لا تستطيع خلاله الحمل من جديد على عكس الذكر الذي يستطيع الإستثمار بشكل يومي دون أعباء اضافية.
 
العلاقات بين الاحياء منظومة و محكومة بمدى الإستثمار الجيني الذي يحتاجه الكائن لانجاح عملية التكاثر. استراتيجية الذكر هي أن يلقح أكبر عدد ممكن من الإناث لأن هذا يعني فرص أكبر في نشر جيناته للأجيال القادمة. كما ذكرت سابقاً، بالنسبة للذكر العملية جداً مربحة فإن العلمية الجنسية عملية ممتعة و نتائجها رخيصة من حيث الموارد و تؤمن استمرار الجينات عبر الأجيال. بالنسبة للأنثى فإن العملية الجنسية عملية ممتعة لكنها مكلفة و ثمينة من حيث الموارد و الوقت. كل عملية جنسية تعني استثمار هائل من الموارد و الوقت. لذلك على الأنثى اختيار شريكها بحذر و انتقاء الذكر المستعد على البقاء ضمن عش الزوجية لمساعدتها في تأمين الموارد و العناية بالصغار.

طبعاً تختلف استراتيجيات الإناث بناء على نوعية الحمل و الموارد اللازمة لانجاح عملية الولادة. مثلاً الأسماك تتبع استراتجية بنشر أكبر عدد ممكن من   البيوض بحيث أن نسبة من هذه البيوض و حتى إن كانت ضئيلة ستنمو و تصبح أسماك بينما أنثى الفيل عليها أن تحمل الجنين لاكثر من سنة و نصف ثم تقوم بالولادة و العناية بطفلها لعدة شهور اضافية حتى يستطيع الإعتماد على نفسه.

تفاعل الاستراتجية الذكرية (لقح و أمشي) و الاستراتجية الأنثوية (انتقي شريكك بعناية) ينتج عنها استراتجية جديدة. هذه الاستراتجية تقول ان على الذكر صرف موارد اقتصادية كبيرة من طاقة و تأمين غذاء بحيث يكون استثمار الذكر متوازي مع استثمار الأنثى. هذه الاستراتجية مرهونة بعدم قبول الإناث ممارسة الجنس مع الذكور إلا إذا قدموا استثمارات اقتصادي (موارد و رعاية للأطفال) مما يجعل استراتجية الذكر (لقح و أمشي) استراتجية غير ناجحة من ناحية استقطاب الإناث.

الإناث التي تقبل بالتكاثر مع الذكر دون مقابل مادي من موارد و عناية بالأطفال (حماية) قد تجد نفسها معرضة لخطر أن تخسر حياتها و حياة جنينها بالمقارنة مع الإناث التي تتأكد أن تأخذ استثمار مقابل من الذكر قبل العملية الجنسية و أثناء العناية بالأطفال.

مثال:
إناث بعض الطيور لا تسمح للذكر يالتلقيح إلا بعد أن يستثمر الذكر وقت و جهداً في بناء عش لتعيش فيه العائلة. هذا الاستثمار يجعل من العملية الجنسية عملية مكلفة بالنسبة للذكر مما يضمن للاناث بقاء الذكر بعد عملية التلقيح لأنه لن يجد شركاء أخريات مستعدة أن تمارس معه الجنس قبل أن يبني عش جديد و هذا يعتبر عمل مضني و مجهد بالنسبة للذكر.

إذاً أصبح لدى الذكر و الانثى مشروع مشترك. هذا المشروع المشترك هو الأطفال (50% من الأم و 50% من الأب). 
الذكر مستعد لصرف الموارد و الرعاية مقابل الاستثمار البيولوجي الذي تتقدمه الانثى. من هنا ننطلق لموضعنا و هو الغيرة….

عملية الحمل بالنسبة للأنثى هي علامة واضحة و صريحة أنها سوف تنجب أطفال للعالم و هي تستطيع تحديد أن الجنين لها 100% لأن الحمل يحدث داخل جسمها. أما الذكر فمهما كان متأكد فهو لن يكون متأكد 100% أن الجنين هو نتيجة تلقيح حيواناته المنوية و ليس نتيجة نطاف ذكور آخرين.

لهذا من ناحية الاستثمار الأبوي نجد أن أسوأ السيناريوهات بالنسبة للذكر هو أن يصرف موارده على أطفال ذكور آخرين أما بالنسبة للأنثى فإن أسواء سيناريو بالنسبة لها هوالقاحها من ذكرلا يبقى معها و يساعدها في تأمين الموارد و رعاية الصغار.

الغيرة عند الإنسان:

نجد أن غيرة الرجل تتعلق بالحالة الفيزيائية للأنثى. ابقاء جميع الذكور الآخرين بعيدين عن شريكته بحيث يضمن أن اي حالة حمل هي تخصه هو و أن الصغار القادمين هم أطفاله (لأنه لا يستطيع التأكد 100% أنه هو المسؤول عن الحمل). 
بالنسبة للأنثى نجد ان غيرتها تتعلق باهتمام الذكر. الانثى تعلم أن اهتمام الذكر محدود و أي عنصر يقارعها على هذا الإهتمام هوعنصر يشكل خطر على مواردها و موارد أطفالها و لهذا نجد ان غيرة الأنثى تتركز على الناحية العاطفية للذكر. عاطفة الذكر يجب أن تتركز على الأسثمار الأبوي مع الأنثى و أن لا يشاركها احد بهذا الاستثمار.

إذاً الذكر يغار بشكل فيزيائي لا يسمح لأحد من الإقتراب من شريكته. بينما تغار الأنثى بشكل عاطفي عن طريق ابعاد أي عنصر ممكن ان يأخذ من اهتمام شريكها و بالتالي مواردها.

بعض الأمثلة من الطبيعة: 
يوجد العديد من الامثلة في الطبيعة التي تؤكد على تطوير استراتجيات مختلفة بين الذكور و الإناث بشكل ينسجم مع فكرة الإستثمار الجيني. سأسرد لكم مثالين لكن يجب التنويه أن هذا الموضوع مركب و معقد أكثر بكثير من ما قدمته ضمن هذا المقال و لمزيد من التعمق على القارئ البحث ضمن الإنتقاء الجنسي و الاستثمار الأبوي عند الأحياء….

تأثير بروس:

تأثير بروس عند الفئران هو عندما يفرز ذكر الفأر مادة كيماوية تعمل على اجهاض الحمل عند جميع الإناث المحيطة به. الذكر يقوم بهذه الخطوة قبل عملية التكاثر ليتأكد أن الحمل سيكون لنطافه فحسب. علماً أن هذه المادة الكيمائية لا تأثر على الحمل إذا كان الحمل من قبل الذكر نفسه.

السدادة الجنسية:

بعد اتمام العملية الجنسية و افراز الحيوانات المنوية داخل انثى النحل يقوم الذكر بالتخلي عن عضوه التناسلي وابقائه داخل الأنثى لاغلاق المهبل و منع ذكور آخرين من تلقيح الانثى. الأنثى تصبح ملكة و تقوم باستخدام نفس الحيوانات المنوية طوال حياتها لهذا يعتبر النحل متطابق جيناً و مستعد كل فرد أن يضحي بنفسه لأجل الخلية و بقاء الملكة التي تعتبر مصدر الإنجاب في الخلية.

من المثير للفضول أن تبحث عن استراتجيات التكاثر عند الأحياء و تُسقط هذه النظرية عليها و فحصها.

لنعود إلى الإنسان و الغيرة….
 
تجسيد هذه الغرائز و الاستراتجيات و اسقاطها على عادتنا و تقاليدنا سيقدم تفسير منطقي لجميع ما نراه من حولنا من قوانين اجتماعية. كما أن لذكور الفئران و النحل استراتجيات لضمان النسل و معرفة أن الأطفال هم اطفالهم يوجد لدى ذكور الإنسان استراتيجيات شبيهة من حيث المبدأ لكنها أكثر تعقيداً من حيث الآليات، و أصعب رصداً من قبلنا لأننا بشر و لا ننتبه لهذه الغرائز التي تتفعل بشكل تلقائي لدينا.  

لنحلل بعض هذه الآليات…

الزواج:

من الواضح لدينا الآن أن الزواج هي عملية هدفها تنظيم المشروع الجيني بين الذكر و الانثى. هذا التنظيم هدفه ضمان تحمّل الذكر مسؤوليته المتعلقه بالموارد و رعاية الاطفال بينما تتقبل الأنثى الأستثمار الجيني مع الذكر لانجاب أطفالهما. لهذا نجد ان أهل العروس غالباً يهتمون بشكل أساسي على موارد العريس و مستقبل ابنتهم من الناحية الإقتصادية بينما يركز أهل العريس على جينات العروس (جمالها) و أخلاقها.(عدم قابلية ممارستها الجنس مع ذكور آخرين)

 بالنسبة للذكر كيف يرى الذكر العلاقة مع الأنثى:
كما ذكرت سابقاً لديه استراتجية تقول استثمر نطافك مع أكبر عدد ممكن من الإناث و ذلك لرخص هذا الإستثمار الجيني. لما لا؟
خمس دقائق قد تساهم في نشر جيناته عبر الجيل القادم دون أي استثمار يذكر.

عندما يجد الذكر انثى مستعدة للممارسة الجنسية تصبح استراتجيته كالأتي:
 
استثمر جينياً لكن بسبب سهولة الاستثمار الجيني (سهولة الممارسة الجنسية) لا تستثمر مواردك لأن هذه الأنثى تعتبر غير مضمونة من ناحية الحصرية في الاستثمار. في حال الحمل لا يعرف الذكر أن الجنين جنينه لأن الممارسة الجنسية كانت سهلة نوعياً مع هذه الأنثى مما يعني عدم ضمان الذكر الحصرية في الاستثمار الجيني معها. لهذا نجد الذكور مستعدين للممارسة الجنسية في أي وقت لكنهم غير مستعدين للاستثمار الأبوي (الزواج) إلا في حال كانت الأنثى لا تبدي سهولة في قبول العملية الجنسية.

بالنسبة للأنثى:
بسبب القيمة الغالية للانجاب فيجب على الأنثى أن لا تسثمر بويضاتها مع الذكور الذين يبدون استعدادهم في صرف مواردهم مع أي انثى مستعدة للمارسة الجنسية. عليها اختيار الشريك الذي سيستثمر موارده و يعمل على رعاية أطفالها لسنين طويلة. على الأنثى أن توازن بين جذب الذكر و انتقائه دون الوصول للممارسة الجنسية إلا بعد استثمار الذكر كمية لابأس بها من الموارد بحيث تجعل عملية انسحابه بعد الممارسة الجنسية عملية خاسرة اقتصادياً. (تذكر مثال الطيور و بناء العش)

لهذا نجد في أغلب المجتمعات اليوم تقييم فحولة الرجل هو على أساس عدد الإناث التي يستطيع الذكر اقامة علاقة معهن و اعتبار رقي الأنثى متعلق بحشمتها و مدى رساخة استثمارها الأبوي اتجاه أطفالها.

تشريع و ترسيخ الغرائز الذكرية ضمن قوانين يتقبلها المجتمع (قوانين دينية):

– السماح بتعدد الزوجات للذكور
– فرض لباس معين على الإناث (حجاب)
– فصل الإناث عن الذكور و منع الاختلاط بينهما. 
– لا يجوز للمرأة فعل أي شيئ في الحياة العامة دون محرم 
– المهر قبل الزواج لضامن استثمار الذكر قبل الممارسة الجنسية. 
المؤخر: نجد أن المؤخر مرتبط مباشرة بالممارسة الجنسية في حال تم الطلاق

الغيرة:

غيرة المرأة هي حالة غريزية تدفعها أن تعمل كل ما باستطاعتها على منع زوجها من أن يحب امرأة آخرى أو أن يبدي اهتماماً زائداً بأي موضوع قد يساهم في تبديد موارده. الأنثى تغار من أي شيئ يشكل تهديداً على موارد زوجها التي يتوجب صرفها عليها و على أطفالها.

غيرة الرجل تتجسد في أن تكون زوجته بعيدة عن أي علاقة فيزيائية مع ذكور آخرين لأن ذلك يشكل أفضل ضمان له أن جميع حالات الحمل هي له و لذلك نجد أن عذرية المرأة هي عامل مهم و مؤثر جداً في موضوع الزواج عند المجتمعات التي لا تحترم حقوق المرأة.

المصدر: علومي

إيهاب الملاح – إعادة اكتشاف جلال الدين الرومي !


«إذا أردت أن تنظر إلى مركز العالم.. فعليك أن تنظر إلى ذاتك» جلال الدين الرومي
يعد ميدان التصوف الإسلامي من أرحب الميادين التي تجلت فيها إسهامات الإيرانيين في أروع صورها، فقد ظل التأثير والتأثر بين الجانبين (التصوف الإسلامي العربي والتصوف الإسلامي الفارسي) سائدا طوال العصور في صورة تبادل مستمر. وقامت العوامل السياسية والثقافات المحلية بدورها في هذا التبادل.
وجلال الدين الرومي (الذي يحتفل مريدوه وأتباعه المنتشرون في أرجاء المعمورة ممن عرفوا بأتباع الطريقة المولوية بذكرى مولده هذه الأيام)، إحدى أهم وأكبر شخصيات التصوف الإسلامي على الإطلاق، وأعظم صوفية المشرق بلا منازع، وكذلك أهم من تحدثوا عن وحدة الوجود في جميع الأزمنة والعصور، بدأ فقيها جلس على بساط الفتوى في قونية إحدى مدن آسيا الصغرى، ولكن لقاءه مع شيخه شمس الدين التبريزي غيّر مجرى حياته (تتلمذ عليه ثلاث سنوات متتالية) وإلى الأبد.
كانت نقطة التحول الحاسمة في حياته تلك التي تجسدت في لقائه بذلك المتصوف الغامض الذي ظهر كالبرق الخاطف وومض برهة في حياة جلال الدين الرومي، ثم اختفى فجأة وبسرعة خاطفة أيضا، ولكن بعد أن ترك جلال الدين على حالٍ غير التي كان عليها وبعد أن فتح له الباب أمام عالم آخر من المعرفة والذوق وفجر فيه كل هذه الينابيع المتدفقة من المحبة الصادقة والحماسة الجارفة والشوق العارم والتحرق للقاء المحبوب ويعبر عن كل ذلك في إبداعات رائقة خالدة.
وإذا كان الأصل في الفن الإمتاع، فإنه إذا تجاوز الإمتاع إلى الإفادة والحض على النظر والبحث عن إجابات للأسئلة التي طرحها فإنه يكون قد علا إلى آفاق رائعة، وهذا ما تجسد كاملا غير منقوص في كل ما كتب جلال الدين الرومي ووصلنا من إبداعاته الرائعة، وباتت مختاراته وعباراته القصار وترجمات أبياته الغزلية من الرواج والانتشار على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بما يغري بدراسة مثيرة وشائقة عن العلاقة بين آليات التواصل والتقدم المذهل في تكنولوجيا الاتصالات وبين إعادة استدعاء التراث الأدبي وانتشاره بين قطاعات واسعة من الجمهور.
وعلى أي حال، بدا من الواضح أن تأثير شمس الدين في الرومي لم يكن «علميا» بقدر ما كان «روحيا»، وأن عبقرية جلال الدين لم تتحقق لأنه أتى بالجديد الذي لم يُطرق في ميدان التصوف، بل لأنه عبّر عن تجاربه ومواجده ومطارحاته بوجد رهيف وذوبان في العشق ولغة شعرية يندر مثيلها، ستتجسد جلية للعيان في عمليه الكبيرين «المثنوي» (صدرت ترجمته العربية التي قام بها المرحوم إبراهيم الدسوقي شتا في ستة مجلدات)، وديوان غزلياته الفذ الذي سماه باسم أستاذه «ديوان شمس الدين التبريزي»، وصدرت ترجمته العربية في مجلدين قيمين عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة بعنوان «مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي لجلال الدين الرومي»، واضطلع بالترجمة أيضا المرحوم إبراهيم الدسوقي شتا، أحد رواد الدراسات الشرقية.
في الآونة الأخيرة، فرغت من قراءة الكتاب الممتع، الدسم، القيم «جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلم الكلام» الذي صدرت منه طبعة جديدة رائعة بغلاف جميل عن الدار المصرية اللبنانية (صدرت الطبعة الأولى منه منتصف التسعينيات)، للباكستاني عناية الله إبلاغ الأفغاني، وهو واحد من الباحثين الأجلاء الذين تخرجوا في الأزهر الشريف، ثم التحق بعضوية هيئة التدريس بجامعة القاهرة، كلية الآداب قسم اللغات الشرقية (اللغة الفارسية وآدابها تحديدا)، في فترة من فترات الازدهار والترقي العلمي الحقيقية، فترة تخرج فيها أعلام كبار من دارسي اللغات والآداب الشرقية سواء من مصر أو خارجها مثل (خليل حلمي نامه، إبراهيم الدسوقي شتا، يحيى الخشاب، عبدالوهاب عزام، إبراهيم أمين الشواربي.. وآخرين).
قدّم للكتاب العلامة المرحوم يحيى الخشاب، الأستاذ الجليل في اللغة والآداب الفارسية (الذي ترجم رحلة ناصر خسرو علوي الشهيرة «سفر نامة».. وكان زوج الرائدة الأكاديمية سهير القلماوي)، يقول الخشاب في تقديمه للكتاب: «ويعد هذا السفر القيم عن جلال الدين الرومي كشفا للمحن الشديدة التي تعرض لها في سبيل نشر آرائه، وكسبا للتراث الأدبي الإسلامي، حيث استطاع هذا العالم الثبت والصادق أن يشق طريقا تصوفيا جاذبا لكل أتباعه ومريديه، فالقرن السابع الهجري والذي عاش فيه جلال الدين الرومي جدير بدراسة خاصة.. فهو عصر من عصور التحول في الشرق الإسلامي».
دراسة عناية الله إبلاغ تقوم في جوهرها على تتبع حياة جلال الدين الرومي بالتفصيل، وأولت الجانب التاريخي عناية خاصة، وقدم الكتاب درسا عمليا ممتازا في تطبيق منهجية البحث التاريخي، إذ قرر أن يدرس، بداية، السياق التاريخي والظرف الاجتماعي والثقافي الذي نشأ فيه جلال الدين الرومي، وتوقف كثيرا عند ظروف العصر الذي ولد ونشأ فيه، وحلل العوامل والظروف التي طبعت هذا العصر بطابعه القلق العنيف، واصلا بين سيرة الرومي ونشأته الخاصة وتقلبات العالم الإسلامي في ذلك القرن الصاخب، القرن السابع الهجري، الذي كان من عصور التحول الكبرى في الشرق الإسلامي، خاصة في فارس.
عن طبيعة هذا العصر وأهمية التعرض لدراسته تفصيلا، يقول الدكتور يحيى الخشاب في تقديمه الضافي للكتاب «الذي يستعرض تاريخ هذا القرن وخاصة في إيران، يجد أن ظروف التصوف كان طبيعيا في هذا الجو الذي لا أمان فيه لأحد، والذي كان الإسلام فيه في خطر، لولا مصر من ناحية وعلماء الفرس من ناحية أخرى، ففي هذا الجو عاش جلال الدين الرومي والذي كان مثله الأعلى الغزالي، حيث تفقه في علوم الدين ثم درس التصوف وراقه أن يكون من رجاله، وتحدث هنا نقطة التحول الكبرى في حياة جلال الدين الرومي حينما التقى بشمس تبريز، فقد ألهاه هذا الصوفي عن مسيرته كفقيه وجعل منه صوفيا غارقا في التصوف حتى أذنيه».
أما لماذا أولى المؤلف القرن السابع الهجري (وهو الذي شهد مولد وحياة جلال الرومي) عناية ملحوظة باعتباره «من عصور التحول الكبرى في المشرق الإسلامي وخصوصا في فارس»، فتأتي الإجابة تفصيلا من خلال رصده لجملة الحوادث الجسيمة التي شهدها هذا القرن، ففيه ظهر المغول واستطاع جنكيز خان أن يجتاح مملكة خوارزم شاه جلال الدين منكبرتي، واجتاح هولاكو الإمارات التابعة للخوارزمية، ثم اجتاح بغداد، وفي قسوة بالغة وببطش شديد قتل المستعصم آخر خلفاء بغداد العباسيين، ومن كان يعتبر آنذاك رمز الوحدة الإسلامية في ذلك الوقت، ثم قتل ما قتل وخرب وأحرق، ولولا «الطوسي» ومن معه لقضي على الإسلام في الشرق الإسلامي.
إذن لا يقف الكتاب عند حياة صاحب «المثنوي» فقط، كما أوضحنا، بل يتناول في بدايته تاريخ الصوفية وتطورها حتى عصر جلال الدين الرومي، ثم يتناول سيرة جلال الدين وحياته ونشأته، ثم مؤلفاته وآثاره، ثم يفرد فصلاً حول علاقته بالصوفية وآرائه في التصوف، كما خصص المؤلف آخر فصول الكتاب حول تأثر جلال الدين الرومي بعلم الكلام وأهم آرائه الفلسفية التي دعت البعض إلى تصنيفه ضمن علماء الكلام، وليس من علماء التصوف الإسلامي..
في رأيي أنه ما كان لهذا الكتاب أن يعاد طبعه ويزداد الطلب عليه (تكاد الطبعة الثالثة منه تنفد بعد أشهر قليلة من ظهورها) إلا بسبب الرواج الكبير الظاهر لرواية «قواعد العشق الأربعون» للتركية أليف شافاق. كان رواج الرواية سببا رئيسيا في أن يصبح جلال الدين الرومي من الأسماء التي حققت أرقاما خيالية في طلب البحث عنها على محرك البحث الشهير «جوجل»، راح الناس يسألون ويبحثون عن الرجل وعن منهجه في التصوف وأقواله ومراتب النظر وسلوك الطريق في تجربته، كتبه ومؤلفاته.. إلخ
وليس مصادفة، أن تكون كتب جلال الدين الرومي المترجمة إلى العربية من أكثر الكتب رواجا ومبيعا، وهو ما رصدته بنفسي خلال الأشهر الأخيرة، إذ يعيد المركز القومي للترجمة (بالقاهرة)، حاليا، طبع موسوعته الصوفية الكبرى «المثنوي»، كما أن المركز أيضا أصدر طبعة جديدة لديوانه «مختارات من ديوان شمس الدين تبريزي» بعد نفاد الطبعات السابقة.

خطيب بدلة – خالتي نسيمة

تلقتْ خالتي «نسيمة» اتّصالاً هاتفياً من موظّف الاستعلامات في المشفى العسكري في مدينة دمشق… أعلمها الموظّفُ أنه قد أصبح بإمكانها زيارة ابنها «مروان»، المعتقل منذ سنة ونصف السنة، وما عليها، حينما تصل، إلا أن تسأل دائرةَ الاستعلامات، في المشفى، عنه..
قالت بلهفة: أيش به مروان؟ ليته يقبرني!.. وما الذي أوصله إلى المستشفى؟ إن شاء الله هو ليس بمريض أو…؟ ‏
لم يردّ الموظف على أسئلتها المتلاحقة، أغلق الخطّ في وجهها.
بسرعة، ولَهْوَجة، وتوق؛ غادرتْ خالتي نسيمة مدينة إدلب متَّجهة إلى دمشق، وهي تفكر بأن وجود مروان في المستشفى يعني أنه مريض، حتماً. وربما يكون هذا سبباً كافياً، بالنسبة إليهم، لإطلاق سراحه، والسماح لها بأن تصحبه في طريق عودتها إلى إدلب! فإذا كان مريضاً، لماذا يحتفظون به؟! ألكي يبقوا مرتبكين به وبمرضه؟! مستحيل.
بقيت هذه الفكرةُ مسيطرةً على ساحة تفكيرها طوال الطريق، وكلّما راودَها هاجسُ إقدامهم على الاحتفاظ به سارعتْ إلى نفيه. أصبح همُّها الأوّلُ- الآن- هو أن يكون مرضُه من النوع القابل للشفاء، وأما بالنسبة لمصاريف العلاج فلا أسهل من تأمينها، فالدار الكبيرة التي ورثتْها عن والدها تحتوي على أشياء كثيرة قابلة للبيع، إضافةً إلى الأساور الذهبية التي اشترتها بعدما مات زوجُها وورثتْ ‏«ثُمْنَ‏»‏ ما كان يملك، بحسب القانون والشرع. قالت لنفسها:
وإذا كان مرضُه خطيراً، لا سمح الله، أبيعُ الدار كلَّها، وأداويه بثمنها، ونقعد، أنا وهو، في الدار الصغيرة، فهي ليست سيّئة، بل على العكس؛ إنَّ كونها صغيرة يجعل تنظيفَها وترتيبها أسهل، وقليل من المفروشات تكفيها.. هي الآن متّسخة، نعم، وتحتاج إلى قَشْر الطلاء الكلسي المتآكل، ثم طلي بالدهان الزيّاتي. هذا كله يمكن إنجازُه خلال أيام قليلة.
إذا وافق مروان على فكرة الزواج، (والجدير به أن يوافق، فهو قد تجاوز الثلاثين من عمره الآن. إلى متى يبقى أعزب؟) يمكن أن يختص هو وزوجته بالغرفة القبلية القريبة من المطبخ، وأقعد أنا في الغرفة الشمالية القريبة من البوابة.. أستطيعُ، كذلك، أن أنظِّف الخرابة المجاورة لغرفته من الأوساخ، لتزول الروائح الكريهة التي تنبعث منها باستمرار، وأُسَوِّرَها ليصبحَ إلقاءُ الأوساخ عليها، من الخارج، مستحيلاً. وخلال فترة الخطوبة، وبينما يكون هو- يسلم لقلبي- منشغلاً بعروسه، أستعين بمعمار يبني لأجله حَمَّاماً صغيراً داخل المطبخ، لأجل الاغتسال، لأن الرجل والمرأة، في الأشهر الأولى للزواج، يحتاجان إلى الاغتسال كثيراً، وأما مَنْ كان في سنّي أنا، فيكفيه تنظيف جسمه مرّة في الأسبوع.
وابتسمتْ خالتي بارتياح، وفكَّرت:
تكفينا هذه الدارُ زمناً طويلاً، فهناك ست، أو سبع سنوات، لا يتجاوز فيها عددُ أفراد الأسرة خمسةَ الأشخاص: أنا، ومروان، وكنّتي، وطفلان صغيران، يكفي حضن دافئ واحد لاحتوائهما معاً، وبعدها يَحُلُّها الحَلال.
كان على خالتي نسيمة أن تحتمل أيّة مشاقّ تعترضها في سبيل الوصول إلى المستشفى العسكري في دمشق، والدخول إلى الغرفة التي يستلقي فيها مروان. تخيلتْ أنها غرفة صغيرة بعض الشيء، وبداخلها سرير عسكري حديدي يستلقي عليه مروان، وجهه نحو السقف، ويتدلّى من ذراعه حبل السيروم، وفي السقف المنخفض ثمّة ضوء دائري يشبه القبّة، يُسقط أنوارَه عليه، وربما كانت هناك ممرّضة متوسّطة الجمال ترتدي الأبيض، وتقيس له الضغط، أو الحرارة…
في غمرة تفكير خالتي نسيمة، وتَزاحُم الصور والخيالات والتوقُّعات والهواجس في ذهنها، لم تنتبه إلى أنها وصلت كراج انطلاق الباصات بحَيّ القابون، وخرجت إلى الشارع. استفاقت في الشارع، تماماً، حينما رأت أمواجاً من الرجال والنساء لا يستطيعُ أحدٌ إحصاءهم أو تقدير عددهم يرفدون الشارع الرئيسي من الشوارع الفرعية، وهم يحملون أعلاماً كثيرة، وصورَ الرئيس حافظ الأسد، ولافتات كُتِبت عليها عباراتٌ تشيد بقيادته التاريخية وأفضاله على ‏سورية والشعب السوري. وكان الكلّ يهدرون بصوت واحد: بالروح، بالدم، نفديك يا حافظ..
استبشرتْ خالتي خيراً بهذه المصادفة، فهي تعرف، أو أن لديها حَدْسَاً بأن أولي الحلّ والربط في موضوع المعتقلين يكونون، الآن، في أيام الاحتفال، أكثر لطفاً وطراوةً، باعتبار أن حُبَّ الرئيس يغلبُ عليهم، فيعطفون على الآخرين. لقد أخطأ مروان- الله يسامحه- خطأً جسيماً حينما اشتغل ضدّ الرئيس. لولا ذلك لكان يعيش، الآنَ، حياتَهُ بأمان مثل هؤلاء الناس.. يعني، صحيح أن الركض في المسيرات مُتعب، ويجعل الجسمَ يتعرّق، والثياب تتّسخ، ولكن هذه الأمور يمكن معالجتها بسهولة: حَمَّام ماء ساخن، وتبديل الملابس، وإلقاء الملابس الوسخة في الغسالة، ومن بعدها يرجع الإنسان إلى حياته اليومية كالمعتاد. في مثل هذه الظروف يمشي الإنسان العاقل بجوار الحائط ويقول: يا ربّ سترك. ما حاجتنا للسير في الدروب الخطرة؟ مرّة واحدة دخلتُ مع حبيب قلبي مروان في نقاش حول هذا الموضوع. يقبرني إن شاء الله، قال لي: يا أمّي، هذا الرجل اغتصب السلطة في بلدنا، وراح يذلّنا وينهبنا ويسلِّط سلالته علينا وعلى سلالاتنا. إنه مجرم يا أمّي، ومَنْ يعارضه يجب أن يدفع ثمناً غالياً. قد ندفع حياتنا- يا أمّي- في هذه القضية. ادعي لنا. بعدها صرتُ أراقب تصرّفاته، وألمح الرجال الذين يزورونه تحت ظلام الليل، يمكثون في غرفته طوال السهرة، ويغادرون قبل طلوع الضوء، وأنا لا أقول شيئاً، ولا أفعل شيئاً.. ولكن الله وحده يعلم أنني كنت أسمع دقّات قلبي بأذني، وكأنها دقّات الطبل، ولم أكن أهدأ أو أغفو قبل أن أراه وهو يدخل فراشه بعد مغادرتهم.
توقَّفت سيول التفكير والهواجس لدى خالتي نسيمة، إذ وجدت نفسها، فجأة، وسط دائرة من المحتفلين. كان الطبّال والزَّمَّار يقتربان منها رويداً رويداً، والرجالُ والنساءُ الذين يدبكون يمدّون أيديهم نحوها طالبين منها الانخراط في هذا العرس الذي لم تعرف عنه، حتى هذه اللحظة، سوى أنه من أجل الرئيس حافظ الأسد.. غلبها الحياء والخجل: أهي، في هذا العمر، ترقص في الشارع، وأمام كاميرات التلفزيون؟! اقتربت منها صبيّة ترتدي زيّاً فلّاحياً، سحبتها وهي تصيح:
يا الله، خالة، يا الله..
تَحَرَّكَ جسدُها بالتناغم مع جسد الصبيّة. ارتفع جسدُها، أنزلته مع الإيقاع.. داختْ، سَكِرتْ، نسيتْ أين هي.. أشرقتْ وجوهُ الناس الذين حولها بالفرح، وبالدهشة. ها هي تلبي رغبتهم بالمشاركة.. زاغ بصرُها، عركت عينيها.. فتحت عينيها.. اختلط عليها الأمر إذ رأت جثّة رجل مسجّاة على سرير في مشفى، هو، على الأرجح، المشفى العسكري. صوت الطبل والمزمار يرتفع. هذا مروان!.. أوه، ممكن، لا.. ارتفع جسدها، نزل، هزّت ردفيها مع ثدييها المتهدِّلين.. فتح مروان عينيه، ونظر إليها بعتب: قَتَلَني الأسد يا أمّي.. وترقصين لأجله؟
نزلت خالتي على الأرض..
جثّة هامدة!

حازم نهار – هل هناك شيء اسمه الجيش العربي السوري ؟!

عندما أقول إنه لا يوجد شيء اسمه “جيش عربي سوري” معنى ذلك بشكل أساسي:
1- لا يوجد عقيدة قتالية وطنية لهذا الجيش تستند إلى مصالح سورية والشعب السوري.
2- تحول هذا الجيش إلى مجموعات مقاتلة عن طغمة حاكمة فحسب.
3- هذا الجيش ليس مؤسسة لها آلية واضحة ومحددة ومحترمة، بل هو عبارة عن تجمع لمجموعات بشرية تتحكم بها قيادة فاسدة.
4- هذا الجيش اليوم خاضع لقيادات روسية وإيرانية وغيرها، ما ينزع الصفة الوطنية عن قراراته وممارساته.
5- هذا الجيش غير متماسك وتعرض لكثير من حالات الانشقاق والانقسام، ما يعني أنه لا يشكل نقطة جامعة للسوريين.
ولا يعني كلامي أبداً أن هذا الجيش لا يحتوي في داخله ضباطاً وعناصر وطنيين وشرفاء، لهم أحوالهم وأوضاعهم التي لا نعرفها.

عروة الأحمد – قبل أن نشتم أدونيس.. تعالوا نسمعه !

أتابعُ منذ بداية الثورة السورية انتقادات الكثيرين للشاعر أدونيس، وأقرأ شتائمه، واتهامه بالطائفيّة، والدعوات القائمة لسحب جائزةٍ ما منه، أو لرفض استضافته في مؤتمر معيّن.

الإشكال الذي أثاره الشاعر الكبير لدى جمهور الثورة هو عدم تأييده لها بالشكل الذي قامت عليه، ولا ضير بالطبع من معارضة أدونيس في رأيه هذا فلكلّ منّا رأيه، ولكن ما أغفله معظمنا هو أن “أدونيس” ضدّ النظام الحاكم بشكلٍ واضحٍ وصريح، ولا يمكن لأيّ من المتابعين لتصريحات أدونيس ومواقفه أن يشكك في موقفه هذا.

في مقابلة سريعة لأدونيس في الفجيرة؛ قال في سبعة دقائق نقاطاً بالغة الأهمية، وإني بدوري أفنّدها وأنقلها داعياً من يشتم “أدونيس” إلى أن يسمعه قبيل إطلاق أيّ حكم عليه، وآملاً أن نرفض برمجة الآخرين لعقولنا.

فلنصرخ مرةً في وجه التيار: لا.. ألم تكن هذه بذرة الثورة؟
النقاط التي أوردها “أدونيس” حتى ولو اختلفنا مع بعضها، إلا أننا لا نستطيع إلا احترام قائلها، أو على الأقل احترام حقّ قائلها في التفوّه بما يعتقده:

1- الربيع العربي حين بدأ كان يعبر عن انفعال الجماهير، ورغبتها الحقيقية في التغيير، ولكن كان ينقصه برنامج حقيقي كي لا تستلمه قوى مشابهة للنظام في ثقافته وأسلوبه القمعي.

2- كنت أحلم أن تخرج دمشق بكاملها إلى الشارع، وإن لم تخرج أن تقوم بعصيان مدني.

3- تحول الصراع ما بين المعارضة، والنظام الطاغية إلى حرب مصالح دولية.

4- أغلب معارضي النظام هم جزء من بنيته الثقافية، وخدموا النظام، وخلقوا ظروف لتكريس ما أراده النظام “العنف”.

5- لست ضد الدين كإيمان فردي، ولا أحد يستطيع أن يكون ضده لأن للفرد حقه في أن يؤمن بما يشاء.

6- إذا كان الله نفسه أنزل آيات ثمّ نسخها، فكيف لا يعيد المسلم النظر في قرائته للنصوص القديمة؟!

مقابلة أدونيس مع شبكة إرم.

داود اوغلو: لا تنازلات بخصوص انتهاكات روسيا للمجال الجوي التركي

أعلن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الأربعاء، أن تركيا “لن تقدم تنازلات” في ما يتعلق بانتهاك الطائرات الحربية الروسية لمجالها الجوي على الحدود السورية.

وقال داود أوغلو متحدثا للصحافيين عن التوتر القائم حاليا بين تركيا العضو في الحلف الأطلسي وبين روسيا التي تشن حملة غارات جوية في سوريا: “لن نقدم أي تنازلات في ما يتعلق بأمن حدودنا ومجالنا الجوي”.

وأضاف أنه لا يريد أن يتحول الصراع في سوريا إلى أزمة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي ولا إلى نزاع بين روسيا وتركيا.

وأوضح داود أوغلو أن ضربتين جويتين فقط من أصل 57 ضربة جوية روسية أصابتا تنظيم الدولة، بينما استهدفت الضربات الباقية المعارضة المعتدلة، وهي القوة الوحيدة التي تحارب التنظيم المتشدد في شمال غرب سوريا.

وتابع: “إذا كان الغرض مواجهة داعش، فلنواجهه جميعنا معًا، لكن إذا كانت العملية تُنفذ ضد المدنيين والمعارضة المعتدلة قرب الحدود التركية، بشكل يؤدي إلى موجات لجوء جديدة، فهذا يعني أن هناك مسألة خطيرة للغاية، وعلينا جميعا أن نجلس معًا ونناقشها”.

وكان متحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم قال الأربعاء، إن تركيا ستعتبر أي انتهاك آخر لمجالها الجوي من جانب طائرات حربية روسية تهديدا، لكنها تنظر بشكل إيجابي لعرض روسي بالاجتماع ومناقشة القضية.

وقال المتحدث عمر جيليك للصحفيين: “نرى أن عرض روسيا للجلوس معا والتفسير أمرا إيجابيا. روسيا صديق، لكن إذا تواصلت التوغلات فسنعتبر ذلك تهديدا وليس مسلكا وديآ.

فرانز كافكا .. مئة عام من التحوّل

لم يكن فرانز كافكا (1883-1924) أول كاتب تبدأ مسيرته الإبداعيّة فعلياً بعد وفاته؛ ولم يكن أول كاتب يموت شاباً. ما السر لدى كافكا إذاً؟ لمَ أصبح هذا الشاب التشيكيّ- النمساويّ أحد أكثر الكتّاب شهرةً في القرن العشرين، إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق؟ ندين جميعاً إلى صديقه ماكس برود الذي خالف وصيّته التي نصّت على حرق جميع مخطوطاته ورسائله، فأقدم على نشر معظمها خلال عشر سنوات، ليصدّر إلى العالم كاتباً سيحتلّ لوائح الكتب الأكثر رواجاً، وليصبح اسمه بمثابة علامة تجاريّة رغم أنّ معظم هذه الأعمال غير مكتملة.
ربما كان سبب شهرة كافكا، حتى لدى من لم يقرأوا أعماله، هو شهرة الصفة المنسوبة إلى اسمه: «كافكاويّ»، التي يشير المؤرّخ الأدبيّ والثقافيّ الأميركيّ ساندر غلمان إلى أنّها احتلّت مكاناً دائماً في جميع اللغات الأدبية العالمية بلا استثناء، بحيث تمثّل «أهوال ومصاعب العالم الحديث». لم تكن تلك الصفة حكراً على المشهد الثقافيّ، بل تكاد تكون إحدى الصفات الأدبيّة النادرة التي تسلّلت حتى إلى «لغة العوام». وإذا أضفنا «الدراما» التي أحاطت بحياة الشخص، وظروفه ونشأته كيهوديّ في براغ، ثم وفاته المبكّرة، و«إنقاذ» أعماله من التدمير، ستكتمل لدينا صورة الذي يعدّه كثيرون أحد أكثر الكتّاب تأثيراً في اللغة الألمانيّة، وفي القرن العشرين بكامله. واستناداً إلى كلّ ما سبق، لن يعود من المستغرب إدراك السبب الغامض في كون هذا الكاتب أهم من مريديه برغم تفوّقهم عليه بدرجات كبيرة. وبرغم انتشار «الكافكاويّة» بقدرٍ أكبر من صاحبها، لم يبتسم القَدَر بالمقابل لـ «الكافكاويّين» كي يطيحوا كافكا عن عرشه الأدبيّ، مع أنّه لن يكون، في أفضل الأحوال، إلا كاتباً متوسّط القيمة مقارنةً بسلسلةٍ من الكتّاب الكافكاويّين (بهذه الدرجة أو تلك) الذين يفوقونه في الأهميّة لغةً وأسلوباً وأفكاراً، ابتداءً بجورج أورويل وراي برادبوري، مروراً بغابرييل غارسيا ماركيز ويوجين يونسكو، وليس انتهاءً بخورخي لويس بورخيس وج. م. كويتسي. أن تكون صالحاً لجميع الصفات يعني أن ثمّة مشكلةً ما. ليس ثمة مدرسةٌ أدبيّة أو نقديّة لم تحتكر اسم كافكا، والمفارقة أنّهم كانوا جميعاً على حق بدرجةٍ ما.
في قصّة قصيرة، «صديق كافكا»، للكاتب البولنديّ-الأميركيّ إيزاك باشيفيز سنغر، ترد جملةٌ بالغة الدقة لتوصيف كافكا على لسان صديقه المفترض في القصة: «الإنسان العاقل في أعلى درجات تعذيب الذات».
وكذا كان كافكا فعلاً، حين يؤكّد أننا «ميّالون لأن نكره أنفسنا لأنّنا لم نُظهر بعد أنّنا نستحق أن تثق بنا القوانين». ربما كانت هذه هي أعلى درجات الانسحاق البشريّ أمام القانون/السلطة منذ انبلاج فجر الحداثة، مع أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. كانت هذه الفترة بالذات – للمصادفة – هي الفترة التي شهدت حياة كافكا الذي فارق الحياة قبل وصول «الحداثة» إلى درجاتها المتطرّفة على يد الفاشيّة والنازيّة.

ربما ليس ثمة مفرّ من إعادة تكرار المصطلحات التي التصقت بكتابة كافكا، بخاصة «الاغتراب»، و«الاضطهاد»، و«الهويّات المتحوّلة»، عند الحديث عن قصّته الأشهر «التحوّل» التي بلغت عامها المئة منذ نشرها للمرة الأولى بالألمانيّة عام 1915 (رغم أنّه انتهى من كتابتها عام 1912). تلك هي إحدى الأعمال المهمة القليلة التي نشرها كافكا في حياته، وربما كانت تمثّل، بشكلٍ ما، تلخيصاً لمعظم الأفكار التي تدور حولها أعماله. ما ينبغي التركيز عليه بدايةً هو صعوبة ترجمة كافكا.
لا يعود هذا إلى أسلوبه أو لغته بل إلى دقّة اللغة الألمانيّة نفسها، إذ يمكننا التعميم قليلاً لنقول إنّ أكثر الأعمال التي ظُلمت في الترجمة كانت تلك المكتوبة بالألمانيّة، التي تقصّر عنها اللغات الأخرى من ناحية دقة المصطلحات والتعبيرات. ولو اكتفينا بالتركيز على كافكا، وعلى قصته «التحوّل» على نحو خاص، لوجدنا أنّ الجدل لا يزال محتدماً إلى اليوم في ما إذا كانت «Verwandlung» تعني «التحوّل» أم «الانمساخ»، عدا عن الترجمة الدقيقة لكلمة «ungeziefer» التي تشير إلى الكائن الذي تحوّل إليه غريغور سامسا، إذ اعتبره بعضهم «حشرة» أو «خنفساء»، وتحايل بعضهم على الكلمة ليجعلها «كائناً شبيهاً بالحشرة»، رغم أنّ المعنى الأصليّ للكلمة بالألمانيّة هو «الحيوان غير النظيف الذي لا يصلح للأضحيات»، وربما كان هذا هو المعنى الأقرب الذي يريده كافكا، بخاصة أنّ غريغور سامسا (في هيئته البشريّة أو بعد تحوّله) بقي هو ذاته: الشخص الذي يكاد يكون لامرئياً لدى عائلته وزملائه في العمل، إذ لا يعدو أن يكون برغياً آخر في الماكينة، ولا يصلح أن يكون أيّ شيء آخر، بحيث تنتهي صلاحيّته مع توقّفه عن العمل.
لا تزال هذه القصة إلى اليوم موضوعاً دائماً لدى جميع المشتغلين في حقل النقد تقريباً. أسبغ عليها النقّاد، بكونها مثالاً عن الكتابة الكافكاويّة كلها، جميع السمات والمصطلحات التي كانت في متناول اليد. ربطها بعضهم بمفهوم «الاغتراب الماركسيّ»، واعتبرها آخرون مثالاً عن «الوعي النسويّ» لدى غريتا ساسما أخت غريغور، وركّز عليها كثيرون بكونها أحد الأعمال التي تمهّد لفكرة الخضوع للقانون والسلطة، بخاصة حين يقارن غريغور بعد تحوّله بين صورته الحاليّة وصورته السابقة حين كان بالبزّة العسكريّة، وخوفه الغرائبيّ من التأخّر عن العمل ومواجهة مديره رغم أنّ هذا يُفترّض أن يكون آخر ما يفكّر فيه مَنْ تحوَّل إلى حشرة؛ عدا عن تطبيق المنهج الفرويديّ من ناحية أوديبيّة بشأن العلاقة بين غريغور وأبيه، من دون أن ننسى تركيز نقّاد عديدين، أبرزهم الناقد الأميركيّ هارولد بلوم، على «يهوديّة» كافكا، وربط القصة بالظرف التاريخيّ لليهود في براغ مطلع القرن العشرين.
قد يكون سبب رواج كافكا هو تنوّع مدارس شُرّاحه ونقّاده؛ أي، اشتُهر كافكا بفضل تأويل كتابته لا بفضل كتابته التي كان ثمّة مبالغة بشأن أهميتها أحياناً. ولعل أحد أسباب تباين وجهات النظر بشأن «التحوّل» يعود إلى تشديد كافكا على وجوب عدم التركيز على الحشرة بذاتها، إذ رفض إدراج صورة لغريغور بعد تحوّله على غلاف الطبعة الأولى من القصة: «لا يمكن تصوير الحشرة بذاتها. فلتكن صورة باب مفتوح والظلام خلفه بينما الحشرة لامرئيّة، ولا حتّى من مسافة بعيدة». ولا يزال هذا الباب، رغم مرور مئة عام، مشرعاً على احتمالات مفتوحة.
__________
المصدر: كلمات