عروة الأحمد -The Revenant مخيّب للآمال!

لم أكن أتوقّع بعد الحملة الإعلامية الضخمة التي رافقت إنطلاق فيلم “العائد” بأنني سأشاهد فيلماً كالذي شاهدته أمس!

أطلقت شركة الإنتاج “فوكس سينشري” حملة إعلامية ضخمة رافقت هذا الفيلم، واتّسمت بالتركيز على ثلاثة نقاط: 1- عدم استخدام أي معدّات إضاءة في الفيلم (الإضاءة طبيعيّة) -2- مشهد مصارعة البطل والدبّ الذي تكتّم مخرج العمل “أليخاندرو إيناريتو” الحائز على أوسكار 2015 عن كيفيّة صناعته -3- أداء “ليوناردو ديكابريو” المبهر في هذا الفيلم والذي سيؤهله للظفر بأوسكار أفضل ممثل لهذا العام.

في الحقيقة لقد خيّب “إيناريتو” أملي في هذا الفيلم، وخرجت هائماً على وجهي، مصدوماً بسبب الكثير من النّقاط أهمّها:

1- لم تكن هناك رسالة واضحة للفيلم الذي تجاوزت مدّته “ساعتين ونصف” من الزمن، وشعرتُ بأني أمام “ميكس” ما بين فيلم أبوكاليبتو (مشاهد المطاردة والحرب ما بين القبائل التي تتحدث لغةً غير مفهومة)، وبريف هَرت (بطل يتزوج من السكان الأصليين ويقتلون زوجته)، وغلادييتر (قتل ابن البطل الذي يقرر الانتقام جرّاء هذا الفعل).

وبرأيي لم تعد تستحق فكرة كهذه أن يُعاد طرحها في العام 2016 فقد تمّ استهلاكها كثيراً، كما أنها لا تتحمّل كل تلك الإطالة!

ثمّ إن المعالجة الدرامية لكلّ من النصّ والشخصيات بدت ناقصةً في الكثير من أجزاء العمل الذي ارتكز في معظم مشاهده على تفرّد “ديكابريو” في الأداء أمام الشاشة، وهنا لبّ المشكلة برأيي.. لأن ظهور “توم هاردي” كان يبدّد الممل الذي خلقه “ليو” أحياناً برتابة أدائه.

2- حين نتكلم عن فيلم يطرح في ساعتين ونصف تفاصيل الصمود لبطله، فعلينا إذاً أن ندقّق في كل تفصيلٍ لصموده (جسدياً ونفسياً) إذ أنه لا يوجد ما يمكن التركيز عليه غير ذلك!

وهنا لا أفهم كيف صمد شارب “ليو” طوال هذه المدة دون أن يغطي شفته العلوية! لا أفهم كيف ظلّ شاربه محلوقاً طوال الفيلم بشكلٍ أنيق!

3- لا أفهم أيضاً كيف للريح التي كانت تحرّك جرساً ثقيل الحجم أن تعجز عن تحريك شعر “ليو” الذي كان يقف تحت الجرس!

4- كان صمود “ليو” ونجاته المتكررة من الموت غير مقنعة في العمل! أعتقد بأن الحبكة الدرامية كانت قاصرة في هذا الصدد كثيراً!

5- استخدم المخرج لغةً غير مفهومة توحي بأنها لغة القبيلة، ولكن لا يمكن أن يكون مرادف الدب في لغة القبيلة: كانوخا.. ليصبح في آخر الفيلم مرادف دب أشيب = كريزلي، وخاصة في لغة قبيلة بدائية تفتقر إلى تنوّع المصطلحات، ولذلك كان يتوجّب على المتحدث بها أن يضيف مرادف أشيب لكلمة “كانوخا” التي تعني الدبّ!

6- كيف تناول الشاب الصغير -الذي قدّمه العمل لنا كشخصٍ ضعيف- لحم الخنزير من فوق النار بكلّ هذه السهولة دون أن يحرق شفاهه؟ ثمّ كيف لشابٍ تعوّد على أكل اللحم الساخن جداً في البريّة أن تكون شفاهه ذات لونٍ زهريّ فاتح دون أن تكويها النار، أو تشقّقها الحرارة التي لا تتجاوز الصفر.. لم يكن “الميك أب” مقنعاً بتاتاً!

7- كيف للجسد أن يتعفّن في درجة حرارة (-10، -20) كما قال الرجل الهمجيّ للبطل “ليو” قبيل آخر الفيلم؟

ألا يعلم الكاتب بأن هذه الدرجة تكفي لتخزين اللحوم شهوراً طويلة دون أن يصيبها العفن؟!

8- مشهد الدبّ الذي ضجّت الدنيا به، لم تكن ردود فعل “ليو” فيه مقنعةً بما يتناسب مع ضربات الدبّ في كثيرٍ من الأحيان، وهذا لا يلغي جماليّة المشهد من حيث أداء الدبّ.. لكن الصراخ والنّحيب لا يكفي ليقتنع المُشاهد المتمرّس بأنك تصارع دبّاً أدماك وشلّ حركتك!

9- كان “ليو” يصرخ في معظم مشاهد الفيلم تعبيراً عن الألم، والعذاب.. لكني لم أسمع غير صوت صراخه.. لم أرَ عيناه تصرخان إلا حين قتل “توم هاردي” ابنه، لم أرَ جسده يتألم، وهنا أستطيع القول بأن مشكلة “ليو” التي حالت دوماً دون حصوله على “الأوسكار” هي في كونه ممثلاً جيداً.. لا مُبهراً.
فقد غلَّفَ الابتذال الكثير من المشاهد التي لم تكن لغة جسده فيها مقنعة، وخاصّة زحفه فوق الثلج بعد إصابته.

10- كان النصّ في الكثير من الأحيان مباشراً في أفكاره يفتقر إلى الحلول الدراميّة.

11- لا يهمّني كمُشاهدٍ للفيلم أنك لم تستخدم معدّات إضاءة فيه، فالمعدات خلقها الإنسان لتخدم العمل على أكمل وجه.. صورة الفيلم كانت مميزة بالفعل لكن ما قيمة ذلك أمام ضعف النصّ ورتابة أداء “ليو” اللذان أضاعا برأيي كلّ جهد المخرج في صناعة فيلم “مبهر”؟

12- لقد تفوّق “توم هاردي” في أدائه على “ليوناردو ديكابريو” وكان برأيي نقطة قوّة العمل على صعيد الأداء التمثيليّ، ويستحقّ “توم” على أدائه هذا أن يكون بجدارة ضمن قائمة أفضل ممثلين مساعدين لعام 2016.

13- بطل هذا العمل هو “الكاميرا مان” الحائز على الأوسكار في فيلم “بيرد مان” 2015.

14- الموسيقى التصويرية كانت أقلّ من المتوقّع، وخلت من الإبهار السمعيّ رغم وجود الكثير من المشاهد التي تحتاج إلى الإبهار الموسيقي.

باختصار: أراهن في هذا العام على عدم حصول “ليوناردو ديكابريو” على الأوسكار رغم حصوله على “غولدن غلوب” على دوره هذا، وذلك لسببٍ بسيط هو أن من يقيّم الأداء التمثيلي في الأوسكار هم أساتذة في تدريب الإخراج المسرحي، ويمكن لأي مختصّ في المسرح أن يلحظ بأن أداء “ليو” كان متواضعاً في هذا الفيلم على عدّة أصعدة أهمّها “نبرة الصوت المفتعلة خاصّة وقت الصراخ، لغة العين المبهمة في مشاهدٍ كانت تتطلب منها أن تنطق، لغة الجسد القاصرة وهذه سببها قلّة الخبرة في هذا النوع من الأفلام، والخلوّ من الصدق إذ لم بكن ليو برأيي يصدّق الدور الذي تقمّصه”.

كما أنني أراهن على أن “إيناريتو” أيضاً لن يحصل على أوسكار أفضل مخرج على عمله هذا، وأرجّح بأن الفيلم سيأخذ أوسكار أفضل صورة، ويمكنُ لـ “توم هاردي” أن يظفر بالجائزة أيضاً لأنه يستحقّها.

خاتمة: فيلم “العائد” هو فيلم تجاريّ جميل الصورة، خلا من المضمون القيّم، واعتمد على التسويق الإعلاميّ المرتكز على نجومية “ديكابريو” وإسم “إيناريتو” القوي.. ليحقّق مبيعات ضخمة.

إسلام أبو شكير – والآن لا شيء..

عشرين مرّةً عشتُ على هذه الأرض من قبل..

المرّة الأولى متّ في الحادية والعشرين من عمري.. في مقاييس ذلك الزمن كان عمراً طويلاً نوعاً ما.. كنّا ما نزال بدائيّين جدّاً.. وكنّا نموت من البرد غالباً.. أو في معركة مع قبيلة منافسة.. أو نذهب وجبة لذئب جائع.. شخصيّاً متّ نتيجة كسورٍ تعرّضتُ لها إثر سقوطي من إحدى الأشجار..

أطول عمر عشته كان ثمانين عاماً.. كنتُ تاجراً بين دمشق والصين.. وكان سبب موتي لدغة أفعى..

أما أجمل عمر فكان في القرن الثالث عشر.. كنتُ شاعراً جوّالاً.. أحببتُ كثيراً من النساء.. وأحببنني أيضاً.. وكانت النتيجة ديواناً من الشعر أقرؤه اليوم، ولا أجرؤ على المطالبة بحقّي فيه..

أغرب عمر عندما عشتُ كسلحفاة في قصر أميرة فارسيّة.. كانت تجربةً صعبةً في الحقيقة، لا سيّما عندما أراها عارية أمامي.. كانت تفعلها كثيراً، إذ لم أكن سوى سلحفاة من وجهة نظرها.. كنتُ أراها وهي تدلّك ثدييها بالزيت.. وأقترب.. مشكلتي الأساسيّة كانت في حركتي البطيئة.. وحتّى الآن لم أفهم الحكمة في أنّني خُلقتُ تلك المرّة سلحفاة لا نمراً على سبيل المثال..

والآن..

بعد كل تلك التجارب أعيش العمر الأشدّ مللاً..
لا شيء..
سوى ذكريات عن أعمار قديمة عشتُها.. ومتّ.

مخرج أميركي يكشف كذبة الرحلة الأميركية إلى القمر

كشف المخرج الأمريكي الكبير ستينلي كوبريك أن كل مشاهد هبوط أول إنسان على سطح القمر مزورة، معلنا أنه هو الذي كان يصورها.
وقال المخرج في حديث أدلى به قبل وفاته ونُشر مؤخرا، أن “كل عمليات الهبوط على القمر كانت مزورة، فأنا كنت ذلك الشخص الذي صور ذلك”.
ويشرح كوبريك في حديثه بشكل مفصل وشامل كيفية اختلاق وكالة “ناسا” الأمريكية للفضاء كافة عمليات الهبوط على القمر، وكيف أنه كان يصور على الأرض جميع مشاهدات البعثات الأمريكية المزعومة إلى القمر.
بهذا الشكل تم وضع نقطة كبيرة ونهائية في القطاع الفضائي الأمريكي “غير المسبوق” من قبل مايسترو المخرج في هوليود الذي يتمتع باعتراف عالمي.
ونُشر هذا الحديث المتضمن اعترافا صارخا لموضوع قد أثار الكثير من التساؤلات والشكوك لأعوام كثيرة، بعد وفاة المخرج بـ16 عاما، وبات الأخير له حيث صوره المخرج باتريك ميوريي قبل ثلاثة أيام من وفاته في مارس/آذار من عام 1999.
وأجبر ميوريي قبل تسجيل الحوار على التوقيع على اتفاق من 88 صفحة يلزمه بعدم نشر أو الإعلان عن فحواه خلال 15 عاما من يوم وفاة كوبريك.
وقد أثار اللقاء ضجة عالمية في الأيام الأخيرة بكل أنحاء العالم وكشف أخيرا زيف أكبر كذبة أمريكية كانت قد أثارت سابقا الشكوك والتساؤلات، على الأقل لعدم تكرار مثل هذه الرحلات الفضائية إلى القمر مرة أخرى مع أن التقنيات صارت متطورة وحديثة أكثر. هذا فضلا عن تساؤلات أخرى مثل سبب رفرفة العلم الأمريكي فوق القمر الخالي من الهواء.

 

فرج بيرقدار – الموقف من التفجيرات

مشكلة عقل ومنطق وأخلاق.

طوال عمري وأنا أتأسف وأحياناً أُشفِق وأحياناً أزدري موقف شخص ضد الأسد مثلاً ومع صدّام مثلاً أو العكس.

الموقف من الديكتاتورية ينبغي أن يكون واحداً، وليس تبعاً لشخص الديكتاتور، وكذلك الأمر مع التفجيرات التي تحصد مدنيين أبرياء لا نعرفهم، أو أطفالاً ما من أخلاق أو قوانين تحاسبهم على ما لا يعرفون.

العقل والمنطق والأخلاق لا يبررون تفجيراً أعمى حتى لو افترضنا أن غالبية من طالهم التفجير يضمرون مشاعراً، وليس أفعالاً، ضدنا.

بالطبع لا أريد أن أتحدث عن موتوريين يقفون إلى جانب تدمير أي منطقة حتى لو كان لهم فيها عدوّ واحد وليس غالبية!

علي عبيدات – ابن الفارض في أوج نيرفانا الخمر

الخمر والحانة والنديم والكأس والراح والقدح، وأدرها وناولها واسكبها وهاتها وداوني بها وأرحنا، والخمار والمخمور والساقي والثمالة والنادل والغلام والدِنان والكرْم، والصهباء والصرفة والعتيقة والصبوح، لا شيء في ظاهر هذا يدنو من عالم التصوف، ولا شيء كهذا يمثل باطن التصوف وذروة العرفان.

إن مخالطة النص الصوفي ومعرفة حال وأحوال أهله كفيل بأن يجد الباحث في التصوف والمتلذذ منه وفيه وعليه، الهوية الحقيقية لخمرة العاشق ومعرفته وسكره، فهو النشوَان بتعطيل كل حواسه لينثال مركز حواسه عملاً، وهو الساعي بسكره إلى نهايات ما لا يتصوره العقل ولا يتأتَّى إلا بانسياق عاشق صب صوب لا معقولية العشق.

السكرُ بعضٌ من كأس المحبَّة الذي ساق رجلاً مأساوياً كالحلاج إلى قول: ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم، وخالط هياج منتشٍ مسَّه الجذب كالبسطامي ليقول: “سبحاني ما أعظم شاني”، والكأس ذاتها فجرت ينابيع العشق في قلب مولانا جلال الدين الرومي وهو يناجي ساقيه التبريزي قائلاً: “يا إسرافيل قيامة العشق”، وهو الذي حثَّ لسان الغيب وترجمان الأسرار حافظ الشيرازي إلى الصراخ بأعلى ذبذبات قلبه قائلاً: “وشارب الخمر الذي لا رياء فيه ولا نفاق/ خير من بائع الزهد الذي يكون فيه الرياء وضعف الأخلاق”.(1)

خمرة الصوفي بلا طعم ورائحة لكنَّها نكهة قلب، ولا توابع لها لأنها بدون بداية ونهاية، والمخامرة هنا لا تخاطب حاسة من حواس المدرك والملموس وتفتك في لُب العاشق وأخيلته وتخاطب أحر منطقة في صدره متساميةً بروحه، والعاشق إذ يسكر بمعرفة وحب معشوقه (الله) لا تذبل له حاسة ولا ينأى به أي ظاهر، فهو يحاول قدر الإمكان أن يُعَطِّلَ أي دور للعقل العاجز عن إنقاذه من فقدان الوعي المطلق في حضرة البحث عن خالق الوعي وعدمه، فتراه ثملاً دون كأس وتأرجح دون ذبول وانجذاب دون جاذب، سعياً لمواصلة النريفانا الإيمانية التي يحترق بها بلذةٍ انعدم نظيرها في مسكرات الدنيا.

{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا}. (الإنسان 17)

{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} (الإنسان 21).

ومن انتشى بكؤوس المحبة الصوفية كما انتشى سلطان العاشقين عمر ابن الفارض، وهو عميد الخمريات والثمل بكلِّ مسكرات الروح، فيروي ابنه الشيخ محمد عن حال أبيه قائلاً: “كان الشيخ في غالب أوقاته لا يزال دهشاً وبصره شاخصاً لا يسمع من يكلمه ولا يراه. فتارة يكون واقفاً، وتارة يكون قاعداً، وتارة يكون مضطجعاً إلى جنبه، وتارة يكون مستلقياً على ظهره كالميت ويمر عليه عشرة أيام متواصلة وأقل من ذلك أو أكثر وهو على هذه الحالة، لا يأكل ولا يشرب، ولا يتكلم ولا يتحرك، ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة، ويُملي من الشعر أبياتاً”.(2)

على هذا النحو كان سُكْرُ ابن الفارض بمعرفة ربه وسعيه خلف حدوسه واستجلاب هدأته، وفي هذا كان عيشه، فكيف بشعره الذي وصلنا بديوان صغير الحجم، شاهق المعنى متناهي العشق ويحتوي على حوالي 1861 بيتاً، ما قرأه متعبٌ إلا واتكأ ولا مر به صاحب غِلة إلا وارتوى وما شاكلَ إلا العشاق، رغم أنه ابن عصر ماتت فيه القلوب وانغمس فيه الخلق في الصراع (الأيوبي)، وفي ميميته التي يحفظها العشاق، ينسى سلطان العاشقين موت القلوب ويحفر في ذاكرة التكوين بحثاً عن حب الله بخمرته التي تلخص رؤية العاشق المحب لمعشوقه السخي، فالخمرة هنا أزلية سرمدية باقية مستشرية ولا بدايات وحدود لها، فهي لا تُشْرَب لأنها لم تدرك، ولا تدرك لأنها صاحبة سبق في الخَلْق وجاءت قبل الموجودات، كأنه يرمي إلى خمرة الكون البِكر التي تتجلى في تجليات الله في كل موجودات الكون واصلاً بالوجد والعشق مكاناً ومكانةً لم تطأها الأخيلة قبْله وما تآلفت معها خمريات من سبقوه، فهو يقول:

‎شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً

سَكِرنا بها، مِن قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ

‎لَها البَدرُ كأسٌ، وهي شمسٌ، يُديرها

هلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجتْ نَجْمُ

‎خمرٌ مشاع، والسبقُ لمن ثمل، ليست كخمرة القدماء كطرفة بن العبد وعدي بن زيد وعمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، عندما كان الخمر فرعاً من عنبٍ وبلح وكان النديم سيفاً ودم، أو كخمرة من تغنوا بأقداحهم قبل وبعد الإسلام أمثال كعب بن زهير وحسان بن ثابت والحطيئة والأخطل (غياث بن غوث بن الصلت)، ولم تكن كخمرة أكثر من اشتغل بها -شرباً ووصفاً- أبو نواس وصحبه أمثال أبو العتاهية والحسين بن الضحاك، ولم تكن الخمرة في عصر الطرب والفكر (إشبيلية وقرطبة) خمرة معنى وعمق أبان حضورها في شعر تلك الناحية أمثال شهاب الدين العزازي وابن سناء الملك ويحيى القرطبي والمعتضد بن عباد، وغيرهم.

وحتى العصر الحديث وهواة الخمر وسيرته أمثال على محمود طه ومحمود سامي البارودي وأحمد شوقي، فهي في الميمية كرامة حُب وعندهم رهينة الألفاظ والوصف والطعم. ولعل شعر هؤلاء، على امتداد تاريخ الشعر لم يتجاوز ما قاله صاحب “العقد الفريد” عن حال الخمر: “إن مشارب الرجل يقال له نديم من الندامة، لأن معاقر الكأس إذا سكر، تكلم بما يندم عليه”.(3) فبعضهم سكر ليفرح والبعض لينسى وآخرين لجأوا للكأس ليخالفوا محيطهم العام الذي حرَمَهْ، إلا أن سكر الروح ونشوة الثمل دون كأس ليست إلا لأهل العرفان.

امتلاء وارتواء، ووجود شهودي وتجليات إلهية في كأس ابن الفارض، تجاوزت الأمر والنهي وخرجت عن سياق أي ثنائية أو ضدية، فوجوبها يجب والاستجابة لها واجبة وسط اندلاق روحي وتسامٍ نفسي تجاوز كل معاني الخمر وسياقاته الدلالية لنكون أمام كأس محبة صرفة، بني خطابها ضمن ارتقاء روحي تعطلت فيه الحواس، واندلق الشعر بأثره، ليقول:

وقالوا: شربتَ الإثمَ! كلا، وإنما

شربتُ التي، في تركها عنديَ الإثمُ

‎هنيئا لِأهلِ الدير! كم سكروا بها،

وما شربوا منها، ولكنهم همُّوا

يجد متلذذ خمرة سلطان العاشقين تجليات السُّكر المادي بتبعات سُكر العشق الإلهي، فإذا ثمل الرجل بخمرة العنب ثمة تبعات لحالة السُّكر، وأن يقبل المرء على الخمر يعني أنه وجد فيه لذة ما قبل الشرب وشوق عارم لمقارعة نشوة الخمر، وكذلك سُكر سلطان العاشقين، فمحاسن خمرته طاغية، ليكون الخمر هنا في مقاربة بين ثملين، ثمل يسكر بعنب الدنيا وآخر انتشى بسكر روحه وانشداه حواسه وتعطيلها بداعي النشوة، وتثير الخمرة كليهما بنفس الطريقة، لكن المفارقة في الوصف الذي سيترتب على السُّكر في كلتا الطريقتين، فالأول حسبه جسده الذي أنهكه والثاني تتألق روحه وتضوع في معارجها دون تعب، ومن هذا قوله:

‎محاسنُ، تهدي المادحينَ لوصفِها

فيحسُنُ فيها منهُمُ النثرُ والنظمُ

‎ويطربُ من لم يَدْرِها، عند ذكرها

كمشتاق نعم، كلما ذكرتْ نُعمُ

ولا يخفى على القريب من النصوص العرفانية أن الخمر تحديداً كمعرفة إلهية وحالة هياج عاطفي واندلاق روحي، يعامل على أنه عمود من أعمدة التلقي عند الصوفية، يكتب الشعر بمعيته، وتندلق نصوص العرفان بكل أشكالها آناء انتشاء صاحبه، ومن الفوارق الجوهرية كما أسلفت، ما سيقال وسيحدث وسيترتب على الثمل بعد وأثناء سكرته، فيقول حافظ الشيرازي في هذا:

ألا يا أيها الساقي أدر كأساً وناولها/ كه عشق آسان نمود أول ولى افتاد مشكلها

جاء الخمر في خمريات ابن الفارض بين حال ومقام، “فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من الوجود نفسه، والمقامات تحصل ببذل المجهود”(4)، ولعل الطرب كحال أقرب ما يكون إلى الخمر لأن السُّكر كرمٌ من المعشوق يجود به على العاشق الذي سعى بمقام اليقظة طمعاً بحال الطرب أو شيء من البسط والقرب، فالنظر (الطلب) وحده كفيل بأن تفتح أبواب النورانية، ومن مات قلبه وسعى لحياة جديدة (العشق) سيكون الخمر ترياقاً لبث الحياة فيه، كما في قوله:

ولو نظر الندمان ختم إنائهــــــــا

لأسكرهم من دونها ذلك الختــــــم

ولو نضحوا منها ثرى قبر ميــــت

لعادت إليه الروح وانتعش الجســم

ولو طرحوا في فيء حائط كرمهـــــا

عليلاً، وقد أشفى، لفارقه السقـــم

عُدَ ابن الفارض سلطاناً للعاشقين وأكبر شاعر عربي بين المتصوفة العرب، فكان مأخوذاً بالعشق الإلهي وسجيناً حراً وهو يتماهى مع تجليات الصفات الإلهية وجمال الحضرة والحالة الصوفية التي سكر بها، ليصوغ خمرة عشقه الخاصة والمنقطعة النظير، وأثر بها على كل المتصوفة العرب، فتراه يقول:

كل من في حماك يهواك لكن/ أنا وحدي بكل من في حماكا

فيك معنى حلاك في عين عقلي/ وبه ناظري معنى حلاكا

فقت أهل الجمال حسناً وحسنى/ فبهم فاقة إلى معناكا

يحشر العاشقون تحت لوائي/ وجميع الملاح تحت لواكا

وفق مراحل ومقامات وأحوال الطريق إلى الحقيقة (الطريق الصوفية) ثمة خطاب دائم يردِّده الشيخ للسالك ويقول به العارف لمن يجهل ويجود به من ذاق وعرف وأنهى احتجابه بالرياضة (المجاهدة)، ويلخص هذا الخطاب بالنصح والإرشاد بين طرفين يشكلان عصب الحالة الصوفية (الشيخ والمريد) ليكون العارف في المحصلة صاحب رؤية خاصة أنارها المعشوق للمأخوذ به، وبعدها يندلق العارف بوصف رؤاه مسهباً بما رآه، وإلا لما حضرت أنوات النفس في نصوص العرفان، فالأنا غرور مطلق ولا يستسيغها المتصوفة وما جيء بها إلا كدليل من العاشق المحترق على حتمية ما رآه وكُشف له وأدركه، وأن تكون خمرة هذا الشيخ كصهباء سلطان العاشقين يعني أن يجلبها بمسيرة الخمر الشاقة التي انتشى بها السلطان وأصبحت رافداً مهماً لمن يليه، ليقول:

قل للذين تقدَّموا قبلي ومِن/ بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى

عنِّي خُذوا وبيَ اقتدُوا وليَ اسمعوا/ وتحدَّثوا بصبابتي بين الورى

تفعل خمرة ابن الفارض بصاحبها فعل النار بالهشيم، ولا يخلو شعره من هوس النشوة والغبطة المطلقة بهذا السُّكر، فتراه على باب احتراق وفي تسامٍ صرف أسبغ عليه خصوصية سكره ووعيه وبيانه وسلوكه، فهو الهائم بين شعاب مكة في غير وقت الحج، وهو أكثر من قال بسكر المتصوف وانسياقه إلى نشوة معرفة المُصافي (الله)، وهو الذي كان يفقد الوعي ويسقط مغشياً عليه عندما تنطبق عليه المكاشفات وتنهكه الهواتف وفق الروايات، لأن “المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات”(5)، وأي محبة تلك التي يجيء بها خمر معرفة الذات الإلهية، فلا حب دون معرفة المحبوب، فالعشق في الطريق الصوفية مقام يتأخر عن مقام المعرفة، وبينهما مقام الطلب الذي يفتك بقلب السالك ريثما يؤذن له بالعشق وما بعده من معرفة.

وخير دليل على غبطة ابن الفارض المستديمة كصوفي شاعر وليس كشاعر صوفي، احتشاد المجازات والسجع والتشبيه والاستعارات وسائر صنعات البديع ونفائس البلاغة في خمرياته، فهو مهيأ كشاعر لقول الشعر ونظم القصيد لكن لو قال شعره دون انغماسه ونيرفانا خمره سيكون شاعراً فقط، كغيره من شعراء القافية والبناء والمضمون والقوالب، ورغم هذا من الصعب أن نفاضل بين ابن الفارض الشاعر وابن الفارض الصوفي وأيهما الأسبق في نفسه بصورة مطلقة، لكن، استقر في صدور الناس عموماً والعشاق خصوصاً شعر النشوة الصوفية والمخامرة الهائجة التي منعت المُفاضل أن يُبوِّب شعر ابن الفارض بين جبلَّة شاعر مجيد وسُكر متصوِّف منجذب، فلا فكاك بين هذه الدينامية المتشابكة بين ذهنية عاشق صبٍّ وأسلوبية وجبلة شاعر فحل، وبين السكر والاحتراق ترتقي النيرفانا الصوفية بصاحبها ليقول:

زدني بفرط الحبِّ فيك تحيُّراً / وارحم حشىً بلظى هواك تسعَّرا

وإذا سألتك أن أراك حقيقةً/ فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا/ سرٌّ أرقُّ من النسيم إذا سرى

وأباح طرفي نظرة أملتها/ فغدوت معروفاً وكنت منكَّرا

فدهشت بين جماله وجلاله/ وغدا لسان الحال عنِّي مخبِرا

على هذا، ينبئ شعر ودور وقيمة وتأثير وإرث وانغماس وتفرُّد ابن الفارض في صوفيَّته بأننا أمام مشروع روحي لم يتكرَّر بعد بكامل سياقات واندلاقات الدفق المعرفي والروحي والفلسفي والشعري الذي جاد به ابن الفارض، والخمر وأحواله تحديداً ركنٌ رئيسٌ من أركان المساحات الصوفية في شعر ونثر المتصوفة، إلا أنه امتاز بميزات خاصة رسمها ابن الفارض في إنتاجه الشعري وفي خمرياته تحديداً، فالشعر كبيان مجبولٌ بالحالة الصوفية كمشرب فكري ورحي وسلوكي بأبعاد فلسفية دقيقة واطلاع واسع برع به الشاعر المُجيد بوصفه والصوفي الذي نبغ في شعر طائفته العرفانية.

في خمر ابن الفارض، نرى الخمر أصلاً في التكوين، ونرى النديم تجاوز المحسوس والملموس والبشري، وسما حتى لامس فرقدان الشراكة الروحية ورفرف جوزاء القيم الروحية والمعاني النورانية التي لا يتذوقها إلا من عرف عالم الحال والأحوال واتكأ على سدرة المراقبة والسعي والتأمل والفصل بين المُعاش المريب والمتخيل المؤكد وسائر ضروب الفطنة الروحية والانغماس في المطلق وما بعده.

يوسف زيدان – الإلحاد قضية وهميّة !

نظم الأكاديمي والكاتب المصري د. يوسف زيدان أولى ندوات صالونه الشهري تحت عنوان «الاسم والمسمى نموذج الإلحاد» وسط حضور مكثف من الكتاب والباحثين والشباب ملقيا الضوء على العديد من المصطلحات والمفاهيم التي انتشرت على الساحة الثقافية دون وجود أسس أو قواعد لها مؤكدا أن الهدف الرئيسي هو إعادة ضبطها لأنها متعلقة بالعقل مشيرا إلى أن العقل هو صانع الأفكار ومن خلاله نرى الكون كله وأفكار العقل الكبرى هي التي تشكل سلوك الجماعة.

يشرح د. يوسف زيدان: «إن لم يتم بناء العقل فلن يستطيع فهم ما يحيط به، ونأخذ على سبيل المثال قضية الإلحاد فهي قضية وهمية بالأساس وانتشرت كالنار في الهشيم في الوطن العربي حتى بدت أقرب إلى الخبل العام، ومن هنا وجب علينا أن نوضح بعض المفاهيم مثل إلحاد – هرطقة – زندقة – كفر – جحود ونفهمها من المعنى اللغوي والدلالي وتتطوراتهما.

الإلحاد من حيث اللغة، بحسب د. زيدان، مشتق من مادة «ل ح د» وتعني قبراً، ويلحد تعني يعجن غطاء القبر. أما يلحدُ فتعني يدحرج الجثة من جانب القبر لتستقر به. بالتالي، المعنى الاصطلاحي هو مال أو اتخذ طريقاً معوجاً، واستعملت الكلمة في القرآن بدلالتها في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)» وتعني لسان الذين يميلون إليه أعجمي إشارة إلى ورقة بني نوفل الذين ادعوا أن الرسول كان ينقل عنه رغم أنه كان لسانه سيريانياً، والرسول لسانه عربي وقرآنه عربي، ونستخلص من هذا أن يلحد معناها يميل والدلالة الاصطلاحية للقرآن أن يميل الشخص عن الرأي الصواب.

يتابع د. زيدان: {لفظ {هرطقة} ليس واسع الانتشار لكنه مستخدم بشكل أو بآخر، ولا بد من أن نعرف أنه لفظ استخدم قبل ظهور الإسلام. لجأ إليه آباء الكنيسة القدامى (هرسي)، إذ كان يستخدم أيام اليونان للإشارة إلى الأحزاب والجماعات والتنظيمات، وكل شخص ينتمي إلى جماعة لها أفكارها الخاصة سياسية أو دينية أو أدبية أو حتى رياضية كان ينعت بالهرطوقي. ولم يكن للمصطلح أي مدلول سلبي آنذاك إطلاقاً، وكان آباء الكنيسة يناقشون تلك الجماعات بالحجة والقياس والمثل، كما كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين. وبامتداد الزمن أصبح يستخدم للإشارة إلى غير المؤمنين بالمسيحية، فالفيثاغوريون هراطقة والإبيقوريون هراطقة.

هكذا أخذت الكلمة {هرسي} أو هرطقة دلالة جديدة، أي بمعنى غير المتوافق مع الرأي السليم أو الإيمان القويم، وهو أمر طبيعي يرتبط بتطور اللغة ومن الضروري بمكان أَن نتفهم دلالة المصطلح وتطوره كي لا تحدث قطيعة بيننا وبين تراثنا}.

ويؤكد د. زيدان أن هذه الأمور تعتبر أمثلة واضحة على استخدام رجال الدين للعبة اللغة أو المراوغات اللغوية، لتحقيق مصالح غالباً لا علاقة لها بالدين إنما بالسلطة، وبالتالي فإن تطور الفكر الديني وتغير مواقف المفكرين وأهوائهم ومصالحهم السياسية هو الذي أعطى المعنى السلبي لكثير من هذه الألفاظ كالملحد أو الهرطوقي… إلخ..

أما راهناً فالإثارة المنتشرة حول فتاوى قطع الرقاب هي حملات كاذبة لفرض سلطان سياسي لجماعة ما. وأشير هنا إلى الجدل بشأن حلمي النمنم، وزير الثقافة الذي بدأ عهده دون قصد بصدام مع السلفيين بسبب مقولته الشهيرة {إن معظم المصريين علمانيون}، قاصدا بذلك أنهم يفصلون وقائع حياتهم اليومية ووقائعها القانونية عن الدين، فأؤكد أن الهدف هو عدم الانجرار إلى مشاكل هامشية تسمح لشيوخ السلفية باستغلال انتشار حالة الجهل عند الناس لترويج مفاهيم من نوع الاستتابة والارتداد وما شابههما، فنحن نريد الحفاظ على توازن المجتمع من دون استثارة أي طرف من الطرفين للمشاعر السلبية لدى الآخر، ويكفي أن نشير إلى أن انتشار الأفكار السلفية المتشددة صنع ظاهرة علياء المهدي، وكلاهما ضد توازن المجتمع}.

وختم الدكتور يوسف زيدان بتأكيده أن الهدف الحقيقي من إثارة هذه الاضطرابات والقلاقل إبعاد الناس عن واقعهم ومشاكلهم الحقيقية وإلهائهم عن تطوير مجتمعاتهم.